فهرس الكتاب
أوجد هذه التناقضات, ولا فكر في الملكية الخاصة والاستئثار الفردي. ولماذا يستاثر الانسان بمكاسب النظام, ويضعه بالشكل الذي يحفظ مصالحه على
حساب الآخرين, ما دام لا يحس بالدافع الذاتي في أعماق نفسه؟! فالحقيقة
بأن المظاهر الاجتماعية للأنانية في الحقل الاقتصادي والسياسي... لم تكن
إلا نتيجة للدافع الذاتي, لغريزة حب الذات. فهذا الدافع أعمق منها في كيان الانسان, فلا يمكن أن يزول وتقتلع جذوره بإزالة تلك الآثار, فان عملية
كهذه لا تعدو أن تكون استبدالًا لآثار بأخرى قد تختلف في الشكل والصورة, لكنها تتفق معها في الجوهر والحقيقة.
أضف إلى ذلك, أننا لو فسرنا الدافع الذاتي: (غريزة حب الذات)
تفسيرا موضوعيًا, ـ بوصفه انعكاسًا لظواهر الفردية في النظام الاجتماعي, كظاهرة الملكية الخاصة ـ كما صنعت الماركسية, فلا يعني هذا أن الدافع الذاتي سوف يفقد رصيده الموضوعي وسببه من النظام الاجتماعي, بإزالة الملكية
الخاصة لأنها وإن كانت ظاهرة ذات طابع فردي, ولكنها ليست هي الوحيدة
من نوعها, فهناك ـ مثلًا ـ ظاهرة الادراة الخاصة, التي يحتفظ بها حتى النظام
الاشتراكي. فان النظام الاشتراكي وإن كان يلغي الملكية الخاصة لوسائل الانتاج, غير أنه لا يلغي إدارتها الخاصة من قبل هيئات الجهاز الحاكم, الذي
يمارس ديكتاتورية البروليتاريا, ويحتكر الاشراف على جميع وسائل الانتاج
وإدارتها. إذ ليس من المعقول أن تدار وسائل الانتاج في لحظة تأميمها إدارة
جماعية اشتراكية. من قبل أفراد المجتمع كافة. فالنظام الاشتراكي يحتفظ أذن
بظواهر فردية بارزة, ومن الطبيعي لهذه الظواهر الفردية ان تحافظ على الدافع الذاتي, وتعكسه في المحتوى الداخلي للانسان باستمرار, كما كانت تصنع
ظاهرة الملكية الخاصة.
وهكذا نعرف قيمة السبيل الأول لحل المشكلة: السبيل الشيوعي الذي
يعتبر إلغاء تشريع الملكية الخاصة ومحوها من سجل القانون ... كفيلًا وحده
بحل المشكلة وتطوير الانسان.
وأما السبيل الثاني ـ الذي مر بنا ـ فهو الذي سلكه الاسلام, إيمانا منه بأن الحل الوحيد للمشكلة تطوير المفهوم المادي للانسان عن الحياة. فلم يبتدر إلى
مبدأ الملكية الخاصة ليبطله, وإنما غزا المفهوم المادي عن الحياة ووضع للحياة
مفهوما جديدا, وأقام على أساس ذلك المفهوم نظامًا لم يجعل فيه الفرد آلة
ميكانيكية في الجهاز الاجتماعي, ولا المجتمع هيئة قائمة لحساب الفرد, بل