فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 262

للانسان الى عالم لا عناء فيه ولا شقاء, ونصب له مقياسًا خلقيًا جديدًا في كل خطواته وأدواره, وهو: رضا الله تعالى. فليس كل ما تفرضه المصلحة

الشخصية فهو جائز, وكل ما يؤدي الى خسارة شخصية فهو محرم وغير

مستساغ ... بل الهدف الذي رسمه الاسلام للانسان في حياته هو الرضا

الالهي, والمقياس الخلقي الذي توزن به جميع الأعمال إنما هو مقدار ما يحصل

بها من هذا الهدف المقدس, والانسان المستقيم هو الانسان الذي يحقق هذا

الهدف, والشخصية الاسلامية الكاملة هي الشخصية التي سارت في شتى أشواطها على هدي هذا الهدف, وضوء هذا المقياس, وضمن اطاره العام.

وليس هذا التحويل في مفاهيم الانسان الخلقية وموازينه وأغراضه يعني

تغيير الطبيعة الانسانية, وإنشائها إنشاءًا جديدًا, كما كانت تعني الفكرة

الشيوعية. فحب الذات ـ أي حب الانسان لذاته وتحقيق مشتيهاتها

الخاصة ـ طبيعي في الانسان, ولا نعرف استقراء في ميدان تجريبي. أوضح من استقراء الانسانية في تاريخها الطويل, الذي يبرهن على ذاتية حب الذات. بل

لو لم يكن حب الذات طبيعيا وذاتيًا للانسان لما اندفع الانسان الأول ـ قبل كل تكوينة اجتماعية ـ إلى تحقيق حاجاته, ودفع الأخطار عن ذاته, والسعي وراء مشتهياته ... بالأساليب البدائية التي حفظ بها حياته وأبقى وجوده, وبالتالي

خوض الحياة الاجتماعية والاندماج في علاقات مع الآخرين, تحقيقا لتلك

الحاجات ودفعا لتلك الاخطار. ولما كان حب الذات يحتل هذا الموضع من

طبيعة الانسان, فأي علاج حاسم للمشكلة الانسانية الكبرى يجب أن يقوم

على أساس الإيمان بهذه الحقيقة. وإذا قام على فكرة تطويرها أو التغلب

عليها, فهو علاج مثالي لا ميدان له في واقع الحياة العملية التي يعيشها

الانسان.

…?رسالة الدين

ويقوم الدين هنا برسالته الكبرى التي لا يمكن أن يضطلع باعبائها غيره,

ولا أن تحقق أهدافها البناءة وأغراضها الرشيدة إلا على اسسه وقواعده, فيربط

بين المقياس الخلقي الذي يضعه للانسان وحب الذات المتركز في فطرته.

وفي تعبير آخر: إن الدين يوحد بين المقياس الفطري للعمل والحياة,

وهو حب الذات, والمقياس الذي ينبغي أن يقام للعمل والحياة, ليضمن

السعادة والرفاه والعدالة.

إن المقياس الفطري يتطلب من الانسان أن يقدم مصالحه الذاتية على

مصالح المجتمع ومقومات التماسك فيه, والمقياس الذي ينبغي أن يحكم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت