فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 262

عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ

كَبِيرَةً وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُواْ

يَعْمَلُونَ).

هذه بعض الصور الرائعة التي يقدمها الدين مثالا على الأسلوب الأول,

الذي يتبعه للتوفيق بين المقياسين وتوحيد الميزانين فيربط بين الدوافع الذاتية

وسبل الخير في الحياة, ويطور من مصلحة الفرد تطويرا يجعله يؤمن بأن

مصالحه الخاصة والمصالح الحقيقية العامة للانسانية ـ التي يحددها

الاسلام ـ مترابطتان (1) .

وأما الأسلوب الثاني الذي يتخذه الدين, للتوفيق بين الدافع الذاتي

والقيم أو المصالح الاجتماعية فهو التعهد بتربية اخلاقية خاصة, تعنى بتغذية

الانسان روحيا, وتنمية العواطف الانسانية والمشاعر الخلقية فيه. فان في طبيعة الانسان ـ كما المعنا سابقا ـ طاقات واستعدادات لميول متنوعة, بعضها ميول مادية تتفتح شهواتها بصورة طبيعية كشهوات الطعام والشراب والجنس,

وبعضها ميول معنوية تتفتح وتنمو بالتربية والتعاهد, ولأجل ذلك كان من

الطبيعي للانسان ـ إذا ترك لنفسه ـ أن تسيطر عليه الميول المادية لأنها تتفتح بصورة طبيعية, وتظل الميول المعنوية واستعداداتها الكامنة في النفس مستترة.

والدين باعتباره يؤمن بقيادة معصومة مسددة من الله, فهو يوكل أمر تربية الانسانية وتنمية الميول المعنوية فيها إلى هذه القيادة وفروعها, فتنشا بسبب

ذلك مجموعة من العواطف والمشاعر النبيلة. ويصبح الانسان يحب القيم

الخلقية والمثل التي يربيه الدين على احترامها ويستبسل في سبيلها, ويزيح عن

طريقها ما يقف أمامها من مصالحه ومنافعه. وليس معنى ذلك أن حب الذات يمحى من الطبيعة الانسانية بل أن العمل في سبيل تلك القيم والمثل تنفيذ

كامل لإرادة حب الذات. فان القيم بسبب التربية الدينية تصبح محبوبة

للانسان ويكون تحقيق المحبوب بنفسه معبرا عن لذة شخصية خاصة فتفرض

طبيعة حب الذات بذاتها السعي لأجل القيم الخلقية المحبوبة تحقيقا للذة

خاصة بذلك.

فهذان هما الطريقان اللذان ينتج عنهما ربط المسألة الخلقية بالمسألة

الفردية, ويتلخص أحدهما في إعطاء التفسير الواقعي لحياة أبدية لا لأجل أن

يزهد الانسان في هذه الحياة, ولا لأجل ان يخنع للظلم ويقر على غير

العدل ... بل لأجل ضبط الانسان بالمقياس الخلقي الصحيح, الذي يمده

(1) ـ انظر اقتصادنا: ص 308 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت