فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 262

ذلك التفسير بالضمان الكافي.

ويتلخص الآخر في التربية الخلقية التي ينشأ عنها في نفس الانسان مختلف المشاعر والعواطف, التي تضمن إجراء المقياس الخلقي بوحي من الذات.

فالفهم المعنوي للحياة والتربية الخلقية للنفس في رسالة الاسلام ... هما السببان المجتمعان على معالجة السبب الأعمق للمأساة الانسانية.

ولنعبر دائما عن فهم الحياة على أنها تمهيد لحياة أبدية بالفهم المعنوي

للحياة. ولنعبر أيضا عن المشاعر والأحاسيس, التي تغذيها التربية الخلقية

بالاحساس الخلقي بالحياة.

فالفهم المعنوي للحياة والاحساس الخلقي بها, هما الركيزتان اللتان يقوم

على أساسهما المقياس الخلقي الجديد, الذي يضعه الاسلام للانسانية وهو:

رضا الله تعالى. ورضا الله ـ هذا الذي يقيمه الإسلام مقياسا عاما في

الحياة ـ هو الذي يقود السفينة البشرية إلى ساحل الحق والخير والعدالة.

فالميزة الأساسية للنظام الاسلامي تتمثل فيما يرتكز عليه من فهم معنوي للحياة وإحساس خلقي بها, والخط العريض في هذا النظام هو: اعتبار الفرد

والمجتمع معًا, وتأمين الحياة الفردية والاجتماعية بشكل متوازن. فليس الفرد

هو القاعدة المركزية في التشريع والحكم, وليس الكائن الاجتماعي الكبير هو الشيء الوحيد الذي تنظر إليه الدولة وتشرع لحسابه.

وكل نظام اجتماعي لا ينبثق عن ذلك الفهم والاحساس فهو إما نظام

يجري مع الفرد في نزعته الذاتية, فتتعرض الحياة الاجتماعية لأقسى

المضاعفات وأشد الأخطار, وأما نظام يحبس في الفرد نزعته ويشل فيه طبيعته

لوقاية المجتمع ومصالحه. فينشأ الكفاح المرير الدائم بين النظام وتشريعاته

والافراد ونزعاتهم, بل يتعرض الوجود الاجتماعي للنظام دائما للانتكاس على

يد منشئه ما دام هؤلاء ذوي نزعات فردية أيضًا, وما دامت هذه النزعات تجد

لها ـ بكبت النزعات الفردية الأخرى وتسلم القيادة الحاسمة ـ مجالًا واسعًا وميدانا لا نظير له للانطلاق والاستغلال.

وكل فهم معنوي للحياة وإحساس خلقي بها لا ينبثق عنهما نظام كامل

للحياة يحسب فيه لكل جزء من المجتمع حسابه, وتعطى لكل فرد حريته التي

هذبها ذلك الفهم والاحساس, والتي تقوم الدولة بتحديدها في ظروف الشذوذ عنهما ... أقول أن كل عقيدة لا تلد للانسانية هذا النظام فهي لا تخرج عن

كونها تلطيفا للجو وتخفيفًا من الويلات وليست علاجًا محدودًا وقضاءً حاسمًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت