فهرس الكتاب
على أمراض المجتمع ومساوئه. وإنما يشاد البناء الاجتماعي المتماسك على فهم معنوي للحياة وإحساس خلقي بها ينبثق عنهما, يملأ الحياة بروح هذا
الاحساس وجوهر ذلك الفهم.
وهذا هو الاسلام في أخصر عبارة وأروعها. فهو عقيدة معنوية وخلقية,
ينبثق عنها نظام كامل للانسانية, يرسم لها شوطها الواضح المحدد, ويضع لها
هدفا أعلى في ذلك الشوط, ويعرفها على مكاسبها منه.
وأما أن يقضي على الفهم المعنوي للحياة, ويجرد الانسان عن إحساسه
الخلقي بها, وتعتبر المفاهيم الخلقية أوهامًا خالصة خلقتها المصالح المادية,
والعامل الاقتصادي هو الخلاق لكل القيم والمعنويات وترجى بعد ذلك سعادة للانسانية, واسقرار اجتماعي لها, فهذا هو الرجاء الذي لا يتحقق إلا إذا
تبدل البشر الى أجهزة ميكانيكية يقوم على تنظيمها عدة من المهندسين الفنيين.
وليست اقامة الانسان على قاعدة ذلك الفهم المعنوي للحياة والاحساس الخلقي بها عملًا شاقًا وعسيرًا, فإن الاديان في تاريخ البشرية قد قمت بأداء
رسالتها الكبيرة في هذا المضمار, وليس لجميع ما يحفل به العالم اليوم من
مفاهيم معنوية, وأحاسيس خلقية, ومشاعر وعواطف نبيلة ... تعليل أوضح
وأكثر منطقية من تعليل ركائزها وأسسها بالجهود الجبارة التي قامت بها الأديان لتهذيب الانسانية والدافع الطبيعي في الانسان, وما ينبغي له من حياة وعمل.
وقد حمل الاسلام المشعل المتفجر بالنور, بعد أن بلغ البشر درجة خاصة
من الوعي, فبشر بالقاعدة المعنوية والخلقية على أوسع نطاق وأبعد مدى,
ورفع على أساسها راية إنسانية, وأقام دولة فكرية, أخذت بزمام العالم ربع
قرن, واستهدفت إلى توحيد البشر كله, وجمعه على قاعدة فكرية واحدة ترسم أسلوب الحياة ونظامها. فالدولة الاسلامية لها وظيفتان: إحداهما تربية الانسان
على القاعدة الفكرية, وطبعه في اتجاهه وأحاسيسه بطابعها, والأخرى مراقبته
من خارج, وإرجاعه إلى القاعدة إذا انحرف عنها عمليًا.
ولذلك فليس الوعي السياسي للاسلام وعيًا للناحية الشكلية من الحياة الاجتماعية فحسب, بل هو وعي سياسي عميق, مرده إلى نظرة كلية كاملة نحو الحياة والكون والاجتماع والسياسة والاقتصاد والاخلاق فهذه
النظرة الشاملة هي الوعي الاسلامي الكامل.
وكل وعي سياسي آخر فهو إما أن يكون وعيًا سياسيًا سطحيًا لا ينظر
إلى العالم من زاوية معينة, ولا يقيم مفاهيمه على نقطة ارتكاز خاصة أو يكون