فهرس الكتاب
نوعين, احدهما التصور وهو الادراك الساذج. والآخر التصديق وهو الادراك المنطوي على حكم. فالتصور, كتصورنا لمعنى الحرارة أو النور أو الصوت, والتصديق, كتصديقنا بأن الحرارة طاقة مستوردة من الشمس, وان الشمس
انور من القمر وان الذرة قابلة للانفجار (1) .
ونبدأ الآن بالتصورات البشرية لدرس أسبابها ومصادرها, ونتناول بعد
ذلك التصديقات والمعارف.
?التصور ومصدره الأساسي
ونقصد بكلمة (الاساسي) المصدر الحقيقي للتصورات والادراكات
البسيطة. ذلك أن الذهن البشري ينطوي على قسمين من التصورات: احدهما المعاني التصورية البسيطة, كمعاني الوجود والوحدة والحرارة والبياض وما إلى
ذلك من مفردات للتصور البشري, والقسم الآخر المعاني المركبة أي
التصورات الناتجة عن الجمع بين تلك التصورات البسيطة. فقد نتصور(جبلًا
من تراب)ونتصور (قطعة من الذهب) ثم نركب بين هذين التصورين
فيحصل بالتركيب تصور ثالث وهو (تصور جبل من الذهب) . فهذا التصور
مركب في الحقيقة من التصورين الأولين وهكذا ترجع جميع التصورات المركبة
إلى مفردات تصورية بسيطة.
والمسألة التي نعالجها هي محاولة معرفة المصدر الحقيقي لهذه المفردات
وسبب انبثاق هذه التصورات البسيطة في الادراك الانساني.
(1) ـ ولبعض الفلاسفة الحسيين (كجون ستورات ميل) نظرية خاصة في التصديق حاولوا بها تفسيره بتصورين متداعيين. فمرد التصديق إلى قوانين تداعي المعاني, وليس المحتوى النفسي الا تصور الموضوع وتصور المحمول, ولكن الحقيقة أن تداعي المعاني يختلف عن طبيعة التصديق كل الاختلاف, فهو قد يتحقق في كثير من المجالات ولا يوجد تصديق, فالرجال التاريخيون الذين تسبغ عليهم الاساطير ألوانًا من البطولات يقترن تصورهم في ذهننا بتصور تلك البطولات, وتتداعى التصورات, ومع ذلك فقد لا نصدق بشيء من تلك الأساطير. فالتصديق اذن عنصر جديد يمتاز على التصور الخالص, وعدم التمييز بين التصور والتصديق في عدة من الدراسات الفلسفية الحديثة أدى إلى جملة من الأخطاء, وجعل عدة من الفلاسفة يدرسون مسألة تعليل المعرفة والادراك من دون ان يضعوا فارقًا بين التصور والتصديق. وستعرف أن النظرية الاسلامية تفصل بينهما وتشرح المسألة في كل منهما بأسلوب خاص.