فهرس الكتاب
الفطرية, بل لو كان العقليون يجنحون إلى الايمان بذلك حقا لكفي وجداننا البشري في الرد على نظريتهم, لأننا جميعا نعلم أن الانسان لحظة وجوده على
وجه الارض لا توجد لديه أية فكرة مهما كانت واضحة وعامة في الذهنية
البشرية.
(وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) .
ولكن يوجد تفسير آخر للنظرية العقلية, ويتلخص في اعتبار الأفكار
الفطرية موجودة في النفس بالقوة وتكتسب صفة الفعلية بتطور النفس وتكاملها الذهني. فليس التصور الفطري نابعًا من الحس وإنما يحتويه وجود النفس لا
شعوريا وبتكامل النفس يصبح إدراكًا شعوريًا واضحًا كما هو شان الادراكات والمعلومات التي نستذكرها فنثيرها من جديد بعد أن كانت كامنة وموجودة
بالقوة.
والنظرية العقلية على ضوء هذا التفسير لا يمكن أن ترد بالبرهان بالفلسفي
أو الدليل العلمي السابق ذكرهما.
3ـ النظرية الحسية:
وهي النظرية القائلة أن الاحساس هو الممون الوحيد للذهن البشري بالتصورات والمعاني, والقوة الذهنية هي القوة العاكسة للاحساسات المختلفة في الذهن. فنحن حين نحس بالشيء نستطيع أن نتصوره ـ أي ان نأخذ صورة
عنه في ذهننا ـ وأما المعاني التي لا يمتد إليها الحس فلا يمكن للنفس ابتداعها وابتكارها ذاتيًا وبصورة مستقلة.
وليس للذهن بناء على هذه النظرية إلا التصرف في صور المعاني
المحسوسة, وذلك بالتركيب والتجزئة بأن يركب بين تلك الصور أو يجزئ
الواحدة منها, فيتصور جبلا من ذهب او يجزئ الشجرة التي ادركها الى قطع وأجزاء. أو التجريد والتعميم, بأن يفرز خصائص الصورة ويجردها عن
صفاتها الخاصة ليصوغ منها معنى كليا, كما إذا تصور زيدًا وأسقط من
الحساب كل ما يمتاز به عن عمرو, فإن الذهن بعملية الطرح هذه يستبقي
معنى مجردا يصدق على زيد وعمرو معًا.
ولعل المبشر الأول بهذه النظرية الحسية هو (جون لوك) الفيلسوف
الانكليزي الكبير الذي بزغ في عصر فلسفي زاخر بمفاهيم (ديكارت) عن
الأفكار الفطرية, فبدأ في تفنيد تلك المفاهيم, ووضع لأجل ذلك دراسة
مفصلة للمعرفة الانسانية في كتابه (مقالة في التفكير الانساني) , وحاول في هذا