فهرس الكتاب

الصفحة 41 من 262

ولكن الواقع أن انكار مبدأ العلية لا يخفف من المشكلة التي تواجه

النظرية الحسية شيئًا, فان إنكار هذا المبدأ كحقيقة موضوعية يعني أننا لم

نصدق بالعلية كقانون من قوانين الواقع الموضوعي, ولم نستطع أن نعرف ما

إذا كانت الظواهر ترتبط بعلاقات ضرورية تجعل بعضها ينبثق عن بعض,

ولكن مبدأ العلية كفكرة تصديقية شيء, ومبدأ العلية كفكرة تصويرية شيء

آخر, فهب أنا لم نصدق بعلية الأشياء المحسوسة بعضها لبعض ولم نكون عن

مبدأ العلية فكرة تصديقية, فهل معنى ذلك أننا لا نتصور مبدأ العلية أيضا؟

وإذا كنا لا نتصوره فما الذي نفاه (دافيد هيوم) وهل ينفي الانسان شيئًا لا يتصوره؟.

فالحقيقة التي لا مجال لانكارها هي أننا نتصور مفهوم العلية سواء أصدقنا

بها أم لا. وليس تصور العلية تصورًا مركبًا من تصور الشيئين المتعاقبين,

فنحن حين نتصور علية درجة معينة من الحرارة للغليان لا نعني بهذه العلية

تركيبا اصطناعيا بين فكرتي الحرارة والغليان بل فكرة ثالثة تقوم بينهما. فمن

أين جاءت هذه الفكرة التي لم تدرك بالحس إذا لم يكن للذهن خلاقية لمعان

غير محسوسة؟!.

ونواجه نفس المشكلة في المفاهيم الأخرى التي عرضناها آنفًا, فهي جميعًا

ليست من المعاني المحسوسة, فيجب طرح التفسير الحسي الخالص للتصور

البشري والأخذ بنظرية الانتزاع.

4ـ نظرية الانتزاع:

وهي نظرية الفلاسفة الاسلاميين بصورة عامة. وتتلخص هذه النظرية في تقسيم التصورات الذهنية إلى قسمين: تصورات أولية, وتصورات ثانوية.

فالتصورات الأولية هي الأساس التصوري للذهن البشري, وتتولد هذه التصورات من الاحساس بمحتوياتها بصورة مباشرة. فنحن نتصور الحرارة لأننا أدركناها باللمس, ونتصور اللون لأننا أدركناه بالبصر, ونتصور الحلاوة لأننا أدركناها بالذوق, ونتصور الرائحة لأننا أدركناها بالشم. وهكذا جميع المعاني

التي ندركها بحواسنا فإن الاحساس بكل واحد منها هو السبب في تصوره ووجود فكرة عنه في الذهن البشري. وتتشكل من هذه المعاني القاعدة الأولية للتصور وينشئ الذهن بناء على هذه القاعدة التصورات الثانوية, فيبدأ بذلك

دور الابتكار والانشاء, وهو الذي تصطلح عليه هذه النظرية بلفظ (الانتزاع) فيولد الذهن مفاهيم جديدة من تلك المعاني الأولية, وهذه المعاني الجديدة

خارجة عن طاقة الحس وإن كانت مستنبطة ومستخرجة من المعاني التي يقدمها الحس إلى الذهن والفكر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت