فهرس الكتاب
وهذه النظرية تتسق مع البرهان والتجربة ويمكنها أن تفسر جميع المفردات التصورية تفسيرا متماسكا.
فعلى ضوء هذه النظرية نستطيع أن نفهم كيف انبثقت مفاهيم العلة
والمعلول, والجوهر والعرض, والوجود والوحدة, في الذهن البشري. أنها كلها مفاهيم انتزاعية يبتكرها الذهن على ضوء المعاني المحسوسة, فنحن نحس مثلًا
بغليان الماء حين تبلغ درجة حرارته مائة, وقد يتكرر احساسنا بهاتين
الظاهرتين ـ ظاهرتي الغليان والحرارة ـ آلاف المرات ولا نحس بعلية الحرارة للغليان مطلقا, وإنما الذهن هو الذي ينتزع مفهوم العلية من الظاهرتين اللتين يقدمهما الحس إلى مجال التصور.
ولا نتسطيع في مجالنا المحدود أن نعرض لكيفية الانتزاع الذهني وألوانه وأقسامه لأننا لا نتناول في دراستنا الخاطفة هذه إلا الاشارة الى خطوط
العريضة.
?التصديق ومصدره الأساسي:
ننتقل الآن من درس الادراك الساذج ـ التصور ـ إلى درس الادراك التصديقي الذي ينطوي على الحكم ويحصل به الانسان على معرفة موضوعية.
فكل واحد منا يدرك عدة من القضايا ويصدق بها تصديقا, ومن تلك
القضايا ما يرتكز الحكم فيها على حقائق موضوعية جزئية, كما في قولنا: الجو
حار, الشمس طالعة وتسمى القضية لأجل ذلك جزئية. ومن القضايا ما يقوم الحكم فيها بين معنيين عامين كما في قولنا الكل أعظم من الجزء, والواحد
نصف الاثنين, والجزء الذي لا يتجزأ مستحيل, والحرارة تولد الغليان,
والبرودة سبب للتجمد. ومحيط الدائرة اكبر من قطرها, والكتلة حقيقة نسبية,
الى غير ذلك من القضايا الفلسفية والطبيعية والرياضية وتسمى هذه القضايا بالقضايا الكلية والعامة. والمشكلة التي تواجهنا هي مشكلة أصل المعرفة
التصديقية والركائز الأساسية التي يقوم عليها صرح العلم الانساني, فما هي الخيوط الأولية التي نسجت منها تلك المجموعة الكبيرة من الأحكام والعلوم,
وما هو المبدا الذي تنتهي اليه المعارف البشرية في التعليل, ويعتبر مقياسا أوليا
عاما لتمييز الحقيقة عن غيرها؟
وفي هذه المسالة عدة مذاهب فلسفية تتناول بالدرس منها المذهب العقلي والمذهب التجريبي, فالأول هو المذهب الذي ترتكز عليه الفلسفة الاسلامية, وطريقة التفكير الاسلامي بصورة عامة. والثاني هو الرأي السائد في عدة
مدارس للمادية ومنها المدرسة الماركسية.
1ـ المذهب العقلي:
تنقسم المعارف البشرية في رأي العقليين الى طائفتين: احداهما معارف