فهرس الكتاب

الصفحة 45 من 262

ثانيا: إ السير الفكري في رأي العقليين يتدرج من القضايا العامة إلى

قضايا أخص منها, من الكليات الى الجزئيات, وحتى في المجال التجريبي

الذي يبدو لأول وهلة ان الذهن ينتقل فيه من موضوعات تجريبية جزئية الى

قواعد وقوانين عامة يكون الانتقال والسير فيه من العام الى الخاص ـ كما

سنوضح ذلك عند الرد على المذهب التجريبي.

ولا بد أنك تتذكر ما ذكرنا مثالًا لعملية التفكير وكيف انتقلنا فيه من

معرفة عامة الى معرفة خاصة, واكتسبنا العلم بأن (المادة حادثة) من العلم بأن

(كل متغير حادث) , فقد بدأ الفكر بهذه القضية الكلية (كل تغير حادث)

وانطلق منها الى قضية أخص منها وهي (أن المادة حادثة) .

وأخيرًا يجب أن ننبه على أن المذهب العقلي لا يتجاهل دور التجربة الجبار

في العلوم والمعارف البشرية وما قدمته من خدمات ضخمة للانسانية وما

كشفت عنه من أسرار الكون وغوامض الطبيعة, ولكنه يعتقد أن التجربة

بمفردها لم تكن تستطيع أن تقوم بهذا الدور الجبار, لأنها تحتاج في استنتاج أية حقيقة علمية منها الى تطبيق القوانين العقلية الضرورية ـ أي أن يتم ذلك الاستنتاج على ضوء المعارف الأولية, ولا يمكن أن تكون التجربة بذاتها المصدر الأساسي والمقياس الأول للمعرفة, فشأنها شأن الفحص الذي يجريه الطبيب

على المريض, فان هذا الفحص هو الذي يتيح له أن يكشف عن حقيقة المرض وملابساته ولكن هذا الفحص لم يكن ليكشف عن هذا لولا ما يملكه الطبيب

قبل ذلك من معلومات ومعارف, فلو لم تكن تلك المعلومات لديه لكان

فحصه لغوًا ومجردًا عن كل فائدة, وهكذا التجربة البشرية بصورة عامة لا

تشق الطريق الى نتائج وحقائق إلا على ضوء معلومات عقلية سابقة.

2ـ المذهب التجريبي:

وهو المذهب القائل بأن التجربة هي المصدر الأول لجميع المعارف

البشرية, ويستند في ذلك الى أن الانسان حين يكون مجردا عن التجارب

بمختلف ألوانها لا يعرف أية حقيقة من الحقائق مهما كانت واضحة, ولذا يولد

الانسان خاليًا من كل معرفة فطرية, ويبدأ وعيه وإدراكه بابتداء حياته العملية, ويتسع علمه كلما اتسعت تجاربه, وتتنوع معارفه كلما تنوعت تلك التجارب.

فالتجريبيون لا يعترفون بمعارف عقلية ضرورية سابقة على التجربة

ويعتبرون التجربة الأساس الوحيد للحكم الصحيح والمقايس العام في كل

مجال من المجالات, وحتى تلك الأحكام التي ادعى المذهب العقلي أنها معارف ضرورية لا بد من اخضاعها للمقياس التجريبي والاعتراف بها بمقدار ما

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت