فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 262

تحدده التجربة, لأن الانسان لا يملك حكما يستغني عن التجربة في إثباته,

وينشأ من ذلك:

أولًا: تحديد طاقة الفكر البشري بحدود الميدان التجريبي ويصبح من

العبث كل بحث ميتافيزيقي أو دراسة لمسائل ما وراء الطبيعة, على عكس

المذهب العقلي تماما.

وثانيا: انطلاق السير الفكري للذهن البشري بصورة معاكسة لما يعتقده المذهب العقلي, فبينما كان المذهب العقلي يؤمن بأن الفكر يسير دائما من العام

الى الخاص يقرر التجريبيون أنه يسير من الخاص الى العام, ومن حدود

التجربة الضيقة الى القوانين والقواعد الكلية, ويترقى دائما من الحقيقة الجزئية التجريبية الى المطلق, وليس ما يملكه الانسان من قوانين عامة وقواعد كلية إلا حصيلة التجارب, ونتيجة هذا الارتقاء من استقراء الجزئيات الى الكشف عن حقائق موضوعية عامة.

ولأجل ذلك يعتمد المذهب التجريبي على الطريقة الاستقرائية في

الاستدلال والتفكير لأنها طريقة الصعود من الجزئي إلى الكلي, ويرفض مبدأ الاستدلال القياسي الذي يسير فيه الفكر من العام إلى الخاص كما في الشكل

الآتي من القياس: (كل انسان فان ومحمد انسان) فـ (محمد فان) . ويستند

هذا الرفض الى إن هذا الشكل من الاستدلال لا يؤدي الى معرفة جديدة في النتيجة, مع أن أحد شروط الاستدلال هو أن يؤدي الى نتيجة جديدة ليست

محتواة في المقدمات, وإذن فالقياس بصورته المذكورة يقع في مغالطة(المصادرة

على المطلوب), لأننا إذا ما قبلنا المقدمة (كل انسان فان) فإنا ندخل في الموضوع ـ إنسان ـ كل أفراد الناس, وبعدئذ إذا ما عقبنا عليها بمقدمة ثانية

(بأن محمدًا انسان) فأما أن نكون على وعي بأن محمدًا كان فردا من أفراد

الناس الذين قصدنا إليهم في المقدمة الاولى, وبذلك نكون على وعي كذلك

بأنه (فان) قبل أن ننص على هذه الحقيقة في المقدمة الثانية, وأما أن لا نكون

على وعي بذلك فنكون في المقدمة الأولى قد عممنا بغير حق لأنا لم نكن نعلم

الفناء عن كل أفراد الناس كما زعمنا.

هذا عرض موجز للمذهب التجريبي الذي نجد أنفسنا مضطرين الى

رفضه للأسباب الآتية:

الأول: إن نفس هذه القاعدة(التجربة هي المقياس الأساسي لتمييز

الحقيقة)هل هي معرفة أولية حصل عليها الانسان من دون تجربة سابقة؟ أو

أنها بدورها أيضا كسائر المعارف البشرية ليست فطرية ولا ضرورية؟ فإذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت