فهرس الكتاب

الصفحة 47 من 262

كانت معرفة أولية سابقة على التجربة بطل المذهب التجريبي الذي لا يؤمن بالمعارف الأولية, وثبت وجود معلومات إنسانية ضرورية بصورة مستقلة عن التجربة, وإذا كانت هذه المعرفة محتاجة الى تجربة سابقة فمعنى ذلك أنَّا لا

ندرك في بداية الأمر أن التجربة مقياس منطقي مضمون الصدق, فكيف يمكن البرهنة على صحته واعتباره مقياسا بتجربة ما دمت غير مضمونة الصدق

بعد؟!.

وبكلمة أخرى, إن القاعدة المذكورة التي هي ركيزة المذهب التجريبي إن كانت خطأ سقط المذهب التجريبي بانهيار قاعدته الرئيسية, وإن كانت صوابا

صح لنا أن نتساءل عن السبب الذي جعل التجريبيين يؤمنون بصواب هذه القاعدة, فان كانوا قد تأكدوا من صوابها بلا تجربة فهذا يعني أنها قضية بديهية

وأن الانسان يملك حقائق وراء عالم التجربة, وإن كانوا تاكدوا من صوابها

بتجربة سابقة فهو أمر مستحيل لأن التجربة لا تؤكد قيمة نفسها.

الثاني: إن المفهوم الفلسفي الذي يرتكز على المذهب التجريبي يعجز عن

إثبات المادة, لأن المادة لا يمكن الكشف عنها بالتجربة الخالصة بل كل ما يبدو

للحس في المجالات التجريبية إنما هو ظواهر المادة وأعراضها وأما نفس المادة بالذات ـ الجوهر المادي الذي تعرضه تلك الظواهر والصفات ـ فهي لا تدرك بالحس, فالوردة التي نراها على الشجرة أو نلمسها بيدنا إنما نحس برائحتها

ولونها ونعومتها. وحتى إذا تذوقناها فاننا نحس بطعمها ولا نحس في جميع تلك الأحوال بالجوهر الذي تلتقي جميع هذه الظواهر عنده, وإنما ندرك هذا الجوهر ببرهان عقلي يرتكز على المعارف العقلية الأولية ـ كما سنشير إليه في البحوث المقبلة ـ ولأجل ذلك أنكر عدة من الفلاسفة الحسيين التجريبيين وجود المادة.

فالسند الوحيد لإثبات المادة هو معطيات العقل الأولية, ولولاها لما كان في طاقة الحس أن يثبت لنا وجود المادة وراء الرائحة واللون الأحمر والطعم

الخاص للوردة.

وهكذا يتضح لنا أن الحقائق الميتافيزقية ليست هي وحدها التي يحتاج

إثباتها الى اتخاذ الطريقة العقلية في التفكير بل المادة نفسها كذلك أيضا.

وهذا الاعتراض إنما نسجله بطبيعة الحال على من يؤمن بوجود جوهر مادي في الطبيعة على أسس المذهب التجريبي, وأما من يفسر الطبيعة بمجرد ظواهر

تحدث وتتغير دون أن يعترف لها بموضوع تلتقي عنده ... فلا صلة له بهذا الاعتراض.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت