فهرس الكتاب
الثالث: إن الفكر لو كان محبوسًا في حدود التجربة ولم يكن يملك معارف مستقلة عنها لما اتيح له أن يحكم باستحالة شيء من الأشياء مطلقًا, لأن
الاستحالة ـ بمعنى عدم إمكان وجود الشيء ـ ليس مما يدخل في نطاق التجربة ولا يمكن للتجربة أن تكشف عنه, وقصارى ما يتاح للتجربة أن تدلل عليه
هو عدم وجود أشياء معينة, ولكن عدم وجود شيء لا يعني استحالته, فهناك
عدة أشياء لم تكشف التجربة عن وجودها بل دلت على عدمها في نطاقها
الخاص, ومع ذلك فنحن لا نعتبرها مستحيلة ولا نسلب عنها إمكان الوجود
كما نسلبه عن الأشياء المستحيلة فكم يبدو الفرق جليًا بين اصطدام القمر
بالأرض أو وجود بشر في المريخ أو وجود انسان يتمكن من الطيران لمرونة
خاصة في عضلاته من ناحية, وبين وجود مثلث له أربعة أضلاع ووجود جزء
أكبر من الكل ووجود القمر حال انعدامه من ناحية أخرى. فإن هذه القضايا جميعا لم تتحقق ولم تقم عليها تجربة. فلو كانت التجربة هي المصدر الرئيسي
الوحيد للمعارف لما صح لنا أن نفرق بين الطائفتين لأن كلمة التجربة فيهما معا على حد سواء, وبالرغم من ذلك فنحن جميعا نجد الفرق الواضح بين
الطائفتين, فالطائفة الأولى لم تقع ولكنها جائزة ذاتيًا, وأما الطائفة الثانية فهي
ليست معدومة فحسب بل لا يمكن أن توجد مطلقًا, فالمثلث لا يمكن أن
يكون له أضلاع أربعة سواء اصطدم القمر بالأرض أم لا. وهذا الحكم
بالاستحالة لا يمكن تفسيره إلا على ضوء المذهب العقلي بأن يكون من المعارف العقلية المستقلة عن التجربة.
وعلى هذا الضوء يكون التجريبيون بين سبيلين لا ثالث لهما: فاما أن
يعترفوا باستحالة أشياء معينة كالأشياء التي عرضناها في الطائفة الثانية وأما أن ينكروا مفهوم الاستحالة من الأشياء جميعًا.
فان آمنوا باستحالة أشياء كالتي المحنا إليها كان هذا الايمان مستندًا الى
معرفة عقلية مستقلة لا إلى التجربة, لأن عدم ظهور شيء في التجربة لا يعني استحالته.
وإن انكروا مفهوم الاستحالة ولم يقروا باستحالة شيء مهما كان غريبًا
لدى العقل فلا يبقى على أساس هذا الانكار فرق بين الطائفتين اللتين
عرضناهما وادركنا ضرورة التفرقة بينهما, واذا سقط مفهوم الاستحالة لم يكن التناقض مستحيلا ـ أي وجود الشيء وعدمه, وصدق القضية وكذبها في لحظة واحدة ـ وجواز التناقض يؤدي الى انهيار جميع المعارف والعلوم وعدم تمكن التجربة من إزاحة الشك والتردد في أي مجال من المجالات العلمية, لأن