فهرس الكتاب
التجارب والأدلة مهما تضافرت على صدق قضية علمية معينة كقضية (الذهب عنصر بسيط) , فلا يمكننا أن نجزم بأنها ليست كاذبة ما دام من الممكن أن
تتناقض الأشياء وتصدق القضايا وتكذب في وقت معًا.
الرابع: إن مبدأ العلية لا يمكن إثباته عن طريق المذهب التجريبي فكما
أن النظرية الحسية كانت عاجزة عن إعطاء تعليل صحيح للعلية كفكرة
تصويرية كذلك المذهب التجريبي يعجز عن البرهنة عليها بصفتها مبدأ وفكرة تصديقية. فإن التجربة لا يمكنها أن توضح لنا إلا التعاقب بين ظواهر معينة,
فنعرف عن طريقها أن الماء يغلي إذا صار حارًا بدرجة مائة, وأنه يتجمد حين تنخفض درجة حرارته الى الصفر, واما سببية أحدى الظاهرتين للأخرى
والضرورة القائمة بينهما فهي مما لا تكشفها وسائل التجربة مهما كانت دقيقة ومهما كررنا استعمالها. وإذا انهار مبدأ العلية انهارت جميع العلوم الطبيعية كما ستعرف.
وقد اعترف بعض التجريبيين كـ (دافيد هيوم) و (جون ستيورات ميل)
بهذه الحقيقة, ولذلك فسر (هيوم) عنصر الضرورة في قانون العلة والمعلول
بأنه راجع الى طبيعة العملية العقلية التي تستخدم في الوصول الى هذا القانون
قائلا: إن إحدى عمليات العقل اذا كانت تستدعي دائما عملية أخرى تتبعها
بدون تخلف فانه ينمو بين العمليتين بمضي الزمن رابطة قوية دائمة هي التي
نسميها رابطة تداعي المعاني, ويصحب هذا التداعي نوع من الالزام العقلي
بحيث يحصل في الذهن المعنى المتصل بإحدى العمليتين العقليتين كما حدث
المعنى المتصل بالعملية الأخرى, وهذا الالزام العقلي أساس ما نسميه
بالضرورة التي ندركها في الرابطة بين العلة والمعلول.
وليس من شك في أن هذا التفسير للضرورة القائمة بين العلة والمعلول
ليس صحيحًا لما ياتي:
أولا: أنه يلزم على هذا التفسير أن لا نصل الى قانون العلية العام إلا
بعد سلسلة من الحوادث والتجارب المتكررة التي تحكم الرباط بين فكرتي
العلة والمعلول في الذهن, مع أنه ليس من الضروري ذلك, فان العالم الطبيعي يستطيع أن يستنتج علاقة علية وضرورة بين شيئين يقعان في حادثة واحدة,
ولا يزداد يقينه شيئًا عما كان عليه عند مشاهدته الحادثة للمرة الاولى, كما لا تزداد علاقة العلية قوة بتكرار حوادث أخرى يوجد فيها المعلول والعلة نفسها.
ثانيا: لندع الظاهرتين المتعاقبتين في الخارج ولنلاحظ فكرتيهما في
الذهن ـ أي فكرة العلة وفكرة المعلول ـ فهل العلاقة القائمة بينهما علاقة