فهرس الكتاب
المختلفة على أنواع الحرارة وأقسامها, استطاع أن يقرر نهاية المطاف نظرية
في تعليل الحرارة بمختلف أنواعها بعلة واحدة ـ مثلا ـ وهذه النظرية
لا يمكن في الغالب تقريرها بشكل حاسم وصورة قطعية, لأنها إنما تكون
كذلك إذا أمكن التأكد من عدم إمكان وجود تفسير آخر لتلك الظواهر وعدم صحة تعليلها بعلة أخرى. وهذا ما لا تحققه التجربة في أغلب الأحيان,
ولهذا تكون نتائج العلوم الطبيعية ظنية في أكثر الأحايين, لأجل نقص في
التجربة وعدم استكمال الشرائط التي تجعل منها تجربة حاسمة.
ويتضح لنا على ضوء ما سبق أن استنتاج نتيجة علمية من التجربة يتوقف دائما على الاستدلال القياسي, الذي يسير فيه الذهن البشري من العام الى
الخاص, ومن الكلي الى الجزئي كما يرى المذهب العقلي تماما فان العالم تم له استنتاج النتيجة في المثال الذي ذكرناه بالسير من المبادئ الأولية الثلاثة التي
عرضنا (مبدأ العلية) (مبدأ الانسجام) (مبدأ عدم التناقض) , الى تلك النتيجة
الخاصة على طريقة القياس.
وأما الاعتراض الذي يوجهه التجريبيون الى الطريقة القياسية في
الاستدلال بأن النتيجة فيها ليست إلا صدى للكبرى من المقدمتين وتكريرا
لها, فهو اعتراض ساقط على أصول المذهب العقلي, لأن الكبرى لو كنا نريد
اثباتها بالتجربة ولم يكن لنا مقياس غيرها لكان علينا أن نفحص جميع الأقسام والأنواع لنتأكد من صحة الحكم, وتكون النتيجة حينئذ قد درست في الكبرى بذاتها أيضًا, وأما إذا كانت الكبرى من المعارف العقلية التي ندركها بلا حاجة
إلى التجربة: كالأوليات البديهية والنظريات العقلية المستنبطة منها, فلا يحتاج المستدل لاثبات الكبرى الى فحص الجزئيات حتى يلزم من ذلك أن تتخذ
النتيجة صفة التكرار والاجترار (1)
(1) ـ ومن الغريب حقا ما حاوله الدكتور زكي نجيب محمود. من تركيز الاعتراض السابق الذكر على الاستدلال القياسي كما في قولنا: (كل انسان فان ومحمد انسان فمحمد فان) قائلا: (قد تكون ولكن حين أعمم في المقدمة الأولى لا أريد الناس فردا فردا لأن احصاءهم على هذا النحو مستحيل, إنما أريد النوع بصفة عامة, ولكن اذا كان أمرك كذلك فكيف استطعت أن تخصص الحكم على محمد, ان محمدا ليس هو النوع بصفة عامة إنما هو فرد متعين متخصص, فحكمك عليه بما حكمت به على النوع بصفة عامة هو في حقيقة الأمر قياس باطل) المنطق الوضعي ص250 .
وهذا خليط عجيب بين المعقول الأول والمعقول الثاني في مصطلح المنطقيين. فان الحكم على النوع بصفة عامة يعني أحد أمرين: أولهما أن يكون الحكم على الانسان باعتبار صفة العموم والنوعية فيه, ومن الواضح أن هذا الحكم لا يمكن أن يخصص على محمد لأن محمدًا ليس فيه صفة العموم والنوعية. وثانيهما: أن يكون الحكم على ذات الانسان من دون إضافة أي تخصيص إليه.
وهذا الحكم يمكن ان نطبقه على محمد لأن محمدا انسان, فالحد الاوسط له معنى واحد تكرر في الصغرى والكبرى معا فيكون القياس منتجا.