فهرس الكتاب
ومرة أخرى نؤكد على أننا لا ننكر على التجربة فضلها العظيم على
الانسانية ومدى خدمتها في ميادين العلم, وإنما نريد أن يفهم هؤلاء
التجريبيون أن التجربة ليست هي المقياس الأول والمنبع الأساسي للأفكار
والمعارف الانسانية, بل المقياس الأول والمنبع الأساسي هو المعلومات الأولية
العقلية التي نكتسب على ضوئها جميع المعلومات والحقائق الأخرى, حتى أن
التجربة بذاتها محتاجة الى ذلك المقياس العقلي, فنحن والآخرون على حد
سواء على ضرورة الاعتراف بذلك المقياس الذي ترتكز عليه أسس فلسفتنا
الالهية, وإذا حاول التجريبيون بعد ذلك أن ينكروا ذلك المقياس ليبطلوا علينا فلسفتنا, فهم ينسفون بذلك الأسس التي تقوم عليها العلوم الطبيعية ولا تثمر
بدونها التجارب الحسية شيئًا.
وفي ضوء المذهب العقلي نستطيع أن نفسر صفة الضرورة واليقين المطلق
التي تمتاز بها الرياضيات على قضايا العلم الطبيعي, فان مرد هذا الامتياز إلى
أن القوانين والحقائق الرياضية الضرورية تستند الى مبادئ العقل الأولي ولا
تتوقف على مستكشفات التجربة وعلى العكس من ذلك قضايا العلم فان تمدد الحديد بالحرارة ليس من المعطيات المباشرة لتلك وإنما يرتكز على
معطيات التجربة, فالطابع العقلي الصارم هو سر الضرورة واليقين المطلق في
تلك الحقائق الرياضية.
وأما إذا درسنا الفارق بين الرياضيات والطبيعيات في ضوء المذهب
التجريبي فسوف لن نجد مبررا حاسما لهذا الفرق ما دامت التجربة هي
المصدر الوحيد للمعرفة العلمية في كلا الميدانين.
وقد حاول بعض أنصار المذهب التجريبي تفسير الفرق على أساسه
المذهبي عن طريق القول بأن قضايا الرياضيات تحليلية ليس من شأنها أن تأتي
بجديد, فعندما نقول 2+2 =4 لم نتحدث بشيء جديد لنفحص درجة يقيننا
به فان الاربعة هي نفسها تعبير آخر عن 2+2 فالعملية الرياضية الآنفة
الذكر في تعبير صريح ليست إلا أن أربعة تساوي أربعة وكل قضايا
الرياضيات امتداد لهذا التحليل ولكنه امتداد يتفاوت في درجة تعقيده, وأما
العلوم الطبيعية فليست كذلك لأن قضاياها تركيبية أي أن المحمول فيها
يضيف الى الموضوع علمًا جديدا أي ينبئ بجديد على أساس التجربة, فاذا
قلت أن الماء يغلي تحت ضغط كذا عندما تصبح درجة حرارته مائة مثلا فأني
أفيد علما لأن كلمة ماء لا تتضمن كلمة حرارة وضغط وغليان ولأجل ذلك كانت القضية العلمية عرضة للخطأ والصواب.