فهرس الكتاب
وهذا الرأي الثاني هو الرأي الذي اتخذته الماركسية في مسالة المعرفة,
ولكنها لا حظت أن هذا الرأي سوف ينتهي بها بصورته الظاهرة الى المذهب العقلي, لأنه يفرض ميدانا ومجالا للمعرفة الانسانية خارج حدود التجربة
البسيطة فوضعته على أساس وحدة النظرية والتطبيق. وعدم إمكان فصل
أحدهما عن الآخر, وبذلك احتفظت للتجربة بمقامها في المذهب التجريبي, واعتبارها المقياس العام للمعارف البشرية.
? قال ما وتسي تونغ:
[ الخطوة الأولى في عملية اكتساب المعرفة هي الاتصال
الأولي بالمحيط الخارجي ـ مرحلة الاحاسيس ـ , الخطوة الثانية
هي جمع المعلومات التي نحصل عليها من الادراكات الحسية
وتنسيقها وترتيبها ـ مرحلة المفاهيم والأحكام والاستنتاجات ـ ,
وبالحصول على معلومات كافية كاملة من الادراكات الحسية
(لا جزئية أو ناقصة) , ومطابقة هذه المعلومات للوضع
الحقيقي (لا مفاهيم خاطئة) عند هذا فقد يصبح في المستطاع
أن نصوغ على أساس هذه المعلومات مفهوما ومنطقا
صحيحين] (1) .
? وقال أيضًا:
[إن استمرار التطبيق الاجتماعي يؤدي إلى أن تتكرر
مرات متضاعفة في تطبيق الناس أشياء يحسونها وتخلق فيهم
انطباعًا, وعندها يحدث تغير مفاجئ (طفرة) في العقل
البشري خلال عملية اكتساب المعرفة فينتج عند ذلك
مفاهيم] (2) .
وإليكم هذا النص الذي تؤكد فيه الماركسية على أن النظرية لا يمكن أن تنفصل عن التطبيق أي وحدة النظرية والتطبيق:
[فمن المهم إذن أن نفهم معنى وحدة النظرية
والتطبيق ... ومعنى ذلك أن من يهمل النظرية يقع في فلسفة
الممارسة فيسلك كما يسلك الأعمى ويتخبط في الظلام, أما
ذلك الذي يهمل التطبيق فيقع في الجمود المذهبي ويتحول الى صاحب مذهب لا أكثر, وصاحب تدليلات عقلية
جوفاء] (3)
وبهذا أكدت الماركسية موقفها التجريبي, وان التجربة هي المقياس الذي
يجب أن يطبق على كل معرفة ونظرية, ولا توجد معرفة بصورة منفصلة عنه كما صرح بذلك ما وتسي تونغ فيما يلي:
[إن نظرية المعرفة في المادية الديالكتيكية تضع التطبيق في
المقام الأول, فهي ترى أن اكتساب الناس للمعرفة يجب أن
لا يفصل بأية درجة كانت عن التطبيق, وتشن نضالا ضد
كل النظريات الخاطئة التي تنكر أهمية التطبيق أو تسمح
بانفصال المعرفة عن التطبيق] (4) .
إن الماركسية كما يبدو تعترف بوجود مرحلتين للمعرفة البشرية, ومع ذلك
(1) ـ حول التطبيق ص14.
(2) ـ حول التطبيق ص6.
(3) ـ المادية والمثالية في الفلسفة ص114.
(4) ـ حول التطبيق ص4.