فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 262

المعرفة ـ الحكم والاستنتاج ـ هو ما ارتكز عليه المذهب العقلي من القول بأن عدة من قوانين العالم العامة يعرفها الانسان معرفة مستقلة عن التجربة, كمبدأ

عدم التناقض, ومبدأ العلية, ومبدأ التناسب بين العلة والمعلول وما الى ذلك

من مبادئ عامة, وحين تقدم له التجربة العلمية ظواهر الطبيعة وتعكسها في إحساسه يطبق عليها المبادئ العامة ويحدد مفهومه العلمي عن واقع الشيء

وجوهره على ضوء تلك المبادئ, بمعنى أنه يستكشف ما وراء الظواهر

التجريبية ويتخطى الى حقائق أعمق بالمقدار الذي يتطلبه تطبيق المبادئ

العامة ويكشف عنه, وتضاف هذه الحقائق الأعمق الى معلوماته السابقة

ويكون بذلك أكثر ثروة حينما يحاول أن يحل لغزا جديدا للطبيعة في مجال

تجريبي آخر, ولسنا نعني بهذا أن التطبيق والتجربة العلمية ليس لهما دور مهم

في المعرفة البشرية للطبيعة وقوانينها. فان دورهما في ذلك لا شك فيه. وإنما

نريد أن نؤكد على استبعاد كل معرفة منفصلة عن التجربة ورفض المعارف

العقلية بصورة عامة... يكون سببا لاستحالة تخطي المرحلة الأولى من

الادراك, أي مرحلة الحس والتجربة.

?التجربة والكيان الفلسفي

ولا يقف هذا التناقض المستقطب بين المذهب العقلي والمذهب التجريبي

عند حدود نظرية المعرفة فحسب, بل يمتد أثره الخطير الى الكيان الفلسفي كله

لأن مصير الفلسفة بوصفها كيانا أصيلا مستقلا عن العلوم الطبيعية والتجريبية مرتبط الى حد كبير بطريقة حل هذا التناقض بين المذهبين العقلي والتجريبي, فالبحث في المقياس العام للمعرفة البشرية والمبادئ الأولى لها هو الذي يقدم

للفلسفة مبررات وجودها. أو يحكم عليها بالانسحاب والتخلي عن وظيفتها للعلوم الطبيعية.

وقد واجه الكيان الفلسفي هذه المحنة أو هذا الامتحان منذ نشأت

الطريقة التجريبية وغزت الحقول العلمية بكفاءة ونشاط, وإليكم قصة ذلك:

كانت الفلسفة قبل أن يسود الاتجاه التجريبي وفي مطلع فجرها تستوعب تقريبا كل المعارف البشرية المنظمة بشكل عام, فالرياضيات والطبيعيات تطرح

على الصعيد الفلسفي كمسائل الميتافيزيقا تماما, وتتحمل الفلسفة بمعناها العام الشامل مسؤولية الكشف عن الحقائق العامة في كل مجالات الكون والوجود, وكانت أداة المعرفة التي تسخدمها الفلسفة في تلك الحقول جميعا هي

القياس ـ الطريقة العقلية في التفكير أو السير الفكري من القضايا العامة الى

قضايا أخص منها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت