فهرس الكتاب

الصفحة 59 من 262

وظلت الفلسفة تسيطر على الموقف الفكري للانسانية حتى بدأت التجربة تشق طريقها وتقوم بدورها في حقول كثيرة وهي تتدرج في المعرفة من

الجزئيات الى الكليات, من موضوعات التجربة الى قوانين أعم وأشمل, فكان

على الفلسفة أن تنكمش وتقصر على مجالها الأصيل وتفسح المجال

لمزاحمها ـ العلم ـ لينشط في سائر المجالات الأخرى وبذلك انفصلت العلوم عن الفلسفة وتحددت لكل منهما أداته الخاصة ومجاله الخاص, فالفلسفة تصطنع

القياس أداة عقلية للتفكير, والعلم يستخدم الطريقة التجريبية ويتدرج من الجزئيات الى قوانين أعلى, كما أن العلم ـ كل علم ـ يتناول شعبة من الوجود ونوعا خاصا له يمكن اخضاعه للتجربة فيبحث عن ظواهره وقوانينه في ضوء التجارب التي يمارسها, وأما الفلسفة فتتناول الوجود بصورة عامة دون تحديد

أو تقييد وتبحث عن ظواهره وأحكامه التي لا تخضع للتجربة المباشرة. فبينما يبحث العالم الطبيعي عن قانون تمدد الفلزات بالحرارة, والعالم الرياضي عن

النسبة الرياضية بين قطر الدائرة ومحيطها, يدرس الفيلسوف ما إذا كان للوجود مبدأ أول انبثق منه الكون كله, وما هو جوهر العلاقة بين العلة والمعلول,

وهل يمكن أن يكون لكل سبب سبب الى غير نهاية؟ وهل المحتوى الانساني

مادي محض أو مزاج من المادية والروحية؟.

واضح من أول نظرة ان محتوى الاسئلة التي يثيرها العالم يمكن اخضاعها

للتجربة ففي إمكان التجربة أن تقدم الدليل على أن الفلزات تتمدد بالحرارة, وأن القطر مضروبا بـ يساوي محيط الدائرة. وعلى العكس من

ذلك المحتوى المباشر للاسئلة الفلسفية فان المبدأ الأول وجوهر العلاقة بين

العلة والمعلول, والتصاعد اللانهائي في الأسباب, والعنصر الروحي في

الانسان أمور ميتافيزيقية لا يمتد إليها الحس التجريبي ولا يمكن تسليط

الأضواء في المعمل عليها.

وهكذا قامت الثنائية بين الفلسفة والعلم على أساس اختلافهما في أداة

التفكير وموضوعه, وقد بدت هذه الثنائية أو هذا التوزيع للأعمال الفكرية

بين الفلسفة والعلم أمرًا مشروعا ومقبولا عند كثير من العقليين الذين يؤمنون بالطريقة العقلية في التفكير ويعترفون بوجود مبادئ ضرورية أولى للمعرفة

البشرية. وأما أنصار المذهب التجريبي الذين آمنوا بالتجربة وحدها وكفروا بالطريقة العقلية في التفكير فقد كان من الطبيعي لهم أن يوجهوا هجوما عنيفا

على الفلسفة بوصفها كيانا مستقلا عن العلم لأنهم لا يقرون كل معرفة ما لم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت