العدل والإنصاف, في شتى الاتفاقات والمعاملات. فالقوانين الطبيعية للاقتصاد
تتدخل ـ مثلًا ـ في حفظ المستوى الطبيعي للثمن, بصورة تكاد أن تكون آلية,
وذلك أن الثمن إذا ارتفع عن حدوده الطبيعية العادلة, انخفض الطلب
بحكم القانون الطبيعي الذي يحكم بأن ارتفاع الثمن يؤثر في انخفاض
الطلب, وانخفاض الطب بدوره يقوم بتخفيض الثمن, تحقيقًا لقانون طبيعي
آخر, ولا يتركه حتى ينخفض به إلى مستواه السابق ويزول الشذوذ بذلك.
والمصلحة الشخصية تفرض على الفرد دائمًا التفكير في كيفية ازادة الإنتاج وتحسينه, مع تقليل مصاريفه ونفقاته. وذلك يحقق مصلحة المجتمع, في نفس
الوقت الذي يعتبر مسالة خاصة بالفرد أيضًا.
والتنافس يقتضي ـ بصورة طبيعية ـ تحديد أثمان البضائع وأجور العمال والمستخدمين بشكل عادل, لا ظلم فيه ولا إجحاف. لأن كل بائع أو منتج
يخشى من رفع أثمان بضائعه, أو تخفيض أجور عماله, بسبب منافسة
الآخرين له من البائعين والمنتجين.
والحرية الفكرية تعني أن يعيش الناس أحرارًا في عقائدهم وأفكارهم.
يفكرون حسب ما يتراءى لهم ويحلو لعقولهم, ويعتقدون ما يصل إليه
اجتهادهم أو ما توحيه إليهم مشتهياتهم وأهواؤهم بدون عائق من السلطة.
والإعلان عن أفكاره ومعتقداته, والدفاع عن وجهات نظره واجتهاده.
والحرية الشخصية تعبر عن تحرر الإنسان في سلوكه الخاص من مختلف
ألوان الضغط والتحديد. فهو يملك إرادته وتطويرها وفقًا لرغباته الخاصة, مهما
نجم عن استعماله لسيطرته هذه على سلوكه الخاص من مضاعفات ونتائج,
ما لم تصطدم بسيطرة الآخرين على سلوكهم. فالحد النهائي الذي تقف عنده
الحرية الشخصية لكل فرد: حرية الآخرين. فما لم يمسها الفرد بسوء فلا جناح
عليه أن يكيف حياته باللون الذي يحلو له ويتبع مختلف العادات والتقاليد
والشعائر والطقوس التي يستذوقها, لأن ذلك مسالة خاصة تتصل بكيانه
وحاضره ومستقبله, وما دام يملك هذا الكيان فهو قادر على التصرف فيه كما
يشاء.
وليست الحرية الدينية ـ في رأي الرأسمالية التي تنادي بها ـ إلا تعبيرًا عن الحرية الفكرية في جانبها العقائدي, وعن الحرية الشخصية في الجانب
العملي, الذي يتصل بالشعائر والسلوك.
ويتلخص من هذا العرض أن الخط الفكري العريض لهذا النظام ـ كما
المحنا إليه ـ هو: أن مصالح المجتمع بمصالح الأفراد. فالفرد هو القاعدة التي
يجب أن يرتكز عليها النظام الاجتماعي, والدولة الصالحة هي الجهاز الذي