يسخر لخدمة الفرد وحسابه, والإدارة القوية لحفظ مصالحه وحمايتها.
هذه هي الديمقراطية الرأسمالية في ركائزها الأساسية, التي قامت من
اجلها جملة من الثورات, وجاهد في سبيلها كثير من الشعوب والأمم. في ظل
قادة كانوا حين يعبرون عن هذا النظام الجديد ويعدونهم بمحاسنه, يصفون
الجنة في نعيمها وسعادتها, وما تحفل به من انطلاق وهناء وكرامة وثراء. وقد أجريت عليها بعد ذلك عدة من التعديلات, غير أنها لم تمس جوهرها
بالصميم, بل بقيت محتفظة بأهم ركائزها وأسسها.
?الاتجاه المادي في الرأسمالية
ومن الواضح أن هذا النظام الاجتماعي نظام مادي خالص, أخذ فيه
الإنسان منفصلًا عن مبدئه, وآخرته, محدودًا بالجانب النفعي من حياته
المادية, وافترض على هذا الشكل. ولكن هذا النظام في نفس الوقت الذي
كان مشبعًا بالروح المادية الطاغية... لم يبن على فلسفة مادية للحياة وعلى
دراسة مفصلة لها. فالحياة في الجو الاجتماعي لهذا النظام, فصلت عن كل
علاقة خارجة عن حدود المادة والمنفعة, ولكن لم يهيأ لإقامة هذا النظام فهم
فلسفي كامل لعملية الفصل هذه. ولا أعني بذلك أن العالم لم يكن فيه
مدارس للفلسفة المادية وأنصار لها, بل كان فيه إقبال على النزعة المادية: تأثرًا
بالعقلية التجريبية التي شاعت منذ بداية الانقلاب الصناعي (1)
(1) ـ فإن التجربة اكتسبت أهمية كبرى في الميدان العلمي, ووفقت توفيقا لم يكن في الحسبان الى الكشف عن حقائق كثيرة, وإزاحة الستار عن أسرار مدهشة, أتاحت للإنسانية أن تستثمر تلك الأسرار والحقائق في حياتها العملية. وهذا التوفيق الذي حصلت عليه التجربة. اشاد لها قدسية في العقلية العامة, وجعل الناس ينصرفون عن الأفكار العقلية, وعن كل الحقائق التي لا تظهر في ميدان الحس والتجربة, حتى صار الحس التجريبي في عقيدة كثير من التجريبيين الأساس الوحيد لجميع المعارف والعلوم. وسوف نوضح في هذا الكتاب أن التجربة بنفسها تعتمد على الفكر العقلي, وأن الأساس الأول للعلوم والمعارف هو العقل, الذي يدرك حقائق لا يقع عليها الحس كما يدرك الحقائق المحسوسة.
2ـ فإن جملة من العقائد العامة كانت في درجة عالية من الوضوح والبداهة في النظر العام, مع أنها لم تكن قائمة على أساس من منطق عقلي أو دليل فلسفي, كالايمان بأن الأرض مركز العالم, فلما انهارت هذه العقائد في ظل التجارب الصحيحة, تزعزع الإيمان العام, وسيطرت موجة من الشك على كثير من الأذهان, فبعثث السفسطة اليونانية من جديد متأثرة بروح الشك, كما تأثرت في العهد اليوناني بروح الشك الذي تولد من تناقض المذاهب الفلسفية وشدة الجدل بها.