وبروح الشك والتبلبل الفكري الذي أحدثه انقلاب الرأي, في طائفة من الأفكار كانت تعد
من أوضح الحقائق وأكثرها صحة (1) وبروح التمرد والسخط على الدين
المزعوم, الذي كان يجمد الأفكار والعقول, ويتملق للظلم والجبروت, وينتصر
للفساد الاجتماعي في كل معركة يخوضها مع الضعفاء والمضطهدين (2) .
فهذه العوامل الثلاثة ساعدت على بعث المادية, في كثير من العقليات الغربية...
كل هذا صحيح, ولكن النظام الرأسمالي لم يركز على فهم فلسفي مادي
للحياة, وهذا هو التناقض والعجز, فان المسألة الاجتماعية للحياة تتصل
بواقع الحياة, ولا تتبلور في شكل صحيح إلا إذا أقيمت على قاعدة مركزية,
تشرح الحياة وواقعها وحدودها, والنظام الرأسمالي يفقد هذه القاعدة, فهو
ينطوي على خداع وتضليل أو على عجلة وقلة أناة, حين تجمد المسألة الواقعية
للحياة وتدرس المسألة الاجتماعية منفصلة عنها, مع أن قوام الميزان الفكري
للنظام بتحديد نظرته منذ البداية إلى واقع الحياة, التي تمون المجتمع بالمادة
الاجتماعية ـ وهي العلاقات المتبادلة بين الناس ـ وطريقة فهمه لها, واكتشاف اسراها وقيمها. فالانسان في هذا الكوكب إن كان من صنع قوة مدبرة
مهيمنة, عالمة بأسراره وخفاياه, بظواهره ودقائقه, قائمة على تنظيمه
وتوجيهه... فمن الطبيعي أن يخضع في توجيهه وتكييف حياته لتلك القوة
الخالقة, لأنها أبصر بأمره وأعلم بواقعه, وأنزه قصدًا وأشد اعتدالًا منه.
وأيضا, فإن هذه الحياة المحدودة إن كانت بداية الشوط لحياة خالدة تنبثق عنها, وتتلون بطابعها, وتتوقف موازينها على مدى اعتدال الحياة الأولى
ونزاهتها فمن الطبيعي أن تنظم الحياة الحاضرة بما هي بداية الشوط لحياة
لا فناء فيها, وتقام على أسس القيم المعنوية والمادية معًا.
وإذن فمسالة الإيمان بالله وانبثاق الحياة عنه, ليست مسألة فكرية خالصة
لا علاقة لها بالحياة, لتفصل عن مجالات الحياة ويشرع لها طرائقها ودساتيرها,
(2) ـ فإن الكنيسة لعبت دورًا هامًا في استغلال الدين استغلالًا شنيعًا, وجعل اسمه اداة ماربها واغراضها وخنق الأنفاس العلمية والاجتماعية, وأقامت محاكم التفتيش, وأعطت لها الصلاحيات الواسعة للتصرف في المقدرات, حتى تولد عن ذلك كله التبرم بالدين والسخط عليه, لأن الجريمة ارتكبت باسمه, مع أنه في واقعة المصفى وجوهره الصحيح لا يقل عن أولئك الساخطين والمتبرمين ضيقًا بتلك الجريمة, واستفظاعًا لدوافعها ونتائجها.