فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 262

مع اغفال تلك المسالة وفصلها, بل هي مسألة تتصل بالعقل والقلب والحياة

جميعًا.

والدليل على مدى اتصالها بالحياة من الديمقراطية الرأسمالية نفسها أن

الفكرة فيها تقدم على أساس الايمان بعدم وجود شخصية أو مجموعة من

الأفراد, بلغت من العصمة في قصدها وميلها وفي رأيها واجتهادها, إلى

الدرجة التي تبيح إيكال المسألة الاجتماعية اليها, والتعويل في إقامة حياة

صالحة للأمة عليها. وهذا الأساس بنفسه لا موضع ولا معنى له, الا إذا أقيم

على فلسفة مادية خالصة, لا تعترف بإمكان انبثاق النظام إلا عن عقل بشري

محدود.

فالنظام الرأسمالي مادي بكل ما للفظ من معنى, فهو إما أن يكون قد

استبطن المادية, ولم يجرأ على الاعلان عن ربطه بها وارتكازه عليها. وإما أن

يكون جاهلًا بمدى الربط الطبيعي, بين المسألة الواقعية للحياة ومسألتها الاجتماعية. وعلى هذا فهو يفقد الفلسفة, التي لا بد لكل نظام اجتماعي أن

يرتكز عليها. وهو ـ بكلمة ـ نظام مادي. وإن لم يكن مقامًا على فلسفة مادية

واضحة الخطوط .

?موضع الأخلاق من الرأسمالية

وكان من جراء هذه المادية التي زخر النظام بروحها أن أقصيت الأخلاق

من الحساب, ولم يلحظ لها وجود في ذلك النظام, أو بالأحرى تبدلت

مفاهيمها ومقاييسها, وأعلنت المصلحة الشخصية كهدف أعلى, والحريات

جميعا كوسيلة لتحقيق تلك المصلحة. فنشأ عن ذلك أكثر ما ضج به العالم

الحديث من محن وكوارث, ومآسي ومصائب.

وقد يدافع أنصار الديمقراطية الرأسمالية, عن وجهة نظرها في الفرد

ومصالحه الشخصية قائلين أن الهدف الشخصي بنفسه يحقق المصلحة

الاجتماعية, وأن النتائج التي تحققها الأخلاق بقيمها الروحية تحقق في المجتمع الديمقراطي الرأسمالي, لكن لا عن طريق الأخلاق بل عن طريق الدوافع

الخاصة وخدمتها. فإن الانسان حين يقوم بخدمة اجتماعية يحقق بذلك

مصلحة شخصية أيضًا, باعتباره جزءًا للمجتمع الذي سعى في سبيله, وحين

ينقذ حياة شخص تعرضت للخطر فقد أفاد نفسه أيضًا, لأن حياة الشخص

سوف تقوم بخدمة للهيئة الاجتماعية فيعود عليه نصيب منها, وإذن فالدافع الشخصي والحس النفعي يكفيان لتأمين المصالح الاجتماعية وضمانها, ما

دامت ترجع بالتحليل إلى مصالح خاصة ومنافع فردية.

وهذا الدفاع أقرب الى الخيال الواسع منه إلى الاستدلال. فتصور بنفسك

أن المقياس العملي في الحياة لكل فرد في الأمة, إذا كان هو تحقيق منافعه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت