فهرس الكتاب
عليها حتى يجده في نهاية المطاف أو يعجز عن الظفر به, فلماذا كل هذا الجهد العلمي لو كانت كل قضية لا تحمل بيدها دليل صدقها أو كذبها من التجربة
خواء ولغوا من القول؟
وتحاول الوضعية في هذا المجال أن تستدرك, فهي تقول أن المهم هو
الامكان المنطقي لا الإمكان الفعلي, فكل قضية كان ممكنا من الوجهة النظرية الحصول على تجربة هادية بشأنها, فهي ذات معنى وجديرة بالبحث وإن لم
نملك هذه التجربة فعلا.
ونحن نرى في هذه المحاولة, أن الوضعية قد استعارت مفهوما ميتافيزيقيا لتكميل بنائها المذهبي الذي شادته لنسف الميتافيزيقا, وذلك المفهوم هو
الامكان المنطقي الذي ميزته عن الامكان الفعلي, وإلا فما هو المعطى الحسي للامكان المنطقي؟ تقول الوضعية أن التجربة ما دامت غير ممكنة في الواقع,
فماذا يبقى للامكان النظري من معنى غير مفهومه الميتافيزيقي الذي لا أثر له
على صورة الواقع الخارجي ولا تختلف المعطيات الحسية تبعا له, أفلم يصبح
مقياس الوضعية للكلام المفهوم ميتافيزيقيا في نهاية الشوط, وبالتالي كلاما غير مفهوم في رأيها؟
ولنترك الاستاذ آير, ولنأخذ كلمة المعنى بمدلولها المتعارف دون أن ندمج
فيه التجربة, فهل نستطيع أن نحكم على القضية الفلسفية بأنها غير ذات
معنى؟ كلا طبعا, فإن المعنى هو ما يعكسه اللفظ في الذهن من صور,
والقضية الفلسفية تعكس في أذهان أنصارها وخصومها على السواء صورا من
هذا القبيل. وما دامت هناك صورة تقذفها القضية الفلسفية الى أفكارنا فهناك
مجال للصدق والكذب وبالتالي هناك قضية كاملة جديرة بهذا الاسم في العرف المنطقي, فان الصورة التي تقذفها القضية الفلسفية الى ذهننا إن كانت تطابق
شيئا موضوعيا خارج حدود الذهن واللفظ فالقضية صادقة وإلا فهي كاذبة.
فالصدق والكذب ـ وبالتالي الطابع المنطقي للقضية ـ ليسا من معطيات التجربة لنقول عن القضية التي لا تخضع للتجربة أنها لا توصف بصدق أو كذب,
وإنما هما تعبيران بشكل إيجابي أو سلبي عن التطابق بين صورة القضية في
الذهن وبين أي شيء موضوعي ثابت خارج حدود الذهن واللفظ.
الماركسية والفلسفة
وموقف الماركسية من الفلسفة يشبه بصورة جوهرية الموقف الوضعي,
فهي ترفض كل الرفض فلسفة عليا تفرض على العلوم ولا تنبثق منها, لأن الماركسية تجريبية في منطقها وأداة تفكيرها, فمن الطبيعي أن لا تجد
للميتافيزيقا مجالا في بحوثها, ولهذا نادت بفلسفة علمية وهي المادية