فهرس الكتاب
يعتمد عليه الانسان.
وفي هذا الجو المشبع بروح الشك والتمرد على سلطان العقل نبغ
(ديكارت) , وطلع على العالم بفلسفة يقينية كان لها تأثير كبير في إرجاع التيار الفلسفي حدا ما الى اليقين.
2ـ ديكارت:
وهو من أقطاب الفلاسفة العقليين ومؤسسي النهضة الفلسفية في أوروبا.
بدأ فلسفته بالشك, الشك الجارف العاصف, لأن الأفكار متضاربة فهي إذن
في معرض الخطأ, والاحساسات خداعة في كثير من الأحايين فهي أيضا
ساقطة من الحساب, وبهذا وذاك تثور عاصفة الشك فتقتلع العالم المادي
والمعنوي معا ما دام الطريق إليهما هو الفكر والاحساس.
ويؤكد (ديكارت) على ضرورة هذا الشك المطلق, ويدلل على منطقيته
بأن من الجائز أن يكون الانسان واقعا في رحمة قوة تهيمن على وجوده وعقله وتحاول خداعه وتضليله, فتوحي إليه بأفكار مقلوبة عن الواقع وادراكات
خاطئة. ومهما كانت هذه الأفكار والادراكات واضحة فلا نستطيع استبعاد هذا الفرض الذي يضطرنا الى اتخاذ الشك مذهبا مطردا.
ولكن (ديكارت) يستثني حقيقة واحدة تصمد في وجه العاصفة ولا تقوى
على زعزعتها تيارات الشك, وهي: (فكره) . فانه حقيقة واقعة لا شك فيها
ولا يزدها الشك إلا ثباتا ووضوحًا, لأن الشك ليس إلا لونا من ألوان
الفكر, وحتى تلك القوة الخداعة لو كان لها وجود فهي لا تستطيع أن تخدعنا
في إيماننا بهذا الفكر لأنها إنما تخدعنا عن طريق الايحاء بالتفكير الخاطئ إلينا,
ومعنى ذلك أن التفكير حقيقة ثابتة على كل حال, سواء أكانت مسألة الفكر الانساني مسألة خداع وتضليل أم مسألة فهم وتحقيق.
وتكون هذه الحقيقة في فلسفة (ديكارت) حجر الزاوية ونقطة الانطلاق
لليقين الفلسفي, الذي حاول أن يخرج به من التصور الى الوجود, ومن
الذاتية الى الموضوعية, بل حاول أن يثبت عن طريق تلك الحقيقة الذات
والموضوع معا, فبدأ بذاته واستدل على وجودها بتلك الحقيقة قائلا:(أنا
أفكر, فأنا إذن موجود).
وقد يلاحظ على ديكارت في هذا الاستدلال أنه يحتوي ـ لا شعوريا ـ على الايمان بحقائق لا زالت حتى الآن في موضع الشك عنده, فان هذا الاستدلال
تعبير غير فني عن الشكل الأول من القياس في المنطق الأرسطي, ويرجع فنيًا
الى الصيغة الآتية: (أنا أفكر, وكل مفكر موجود فأنا موجود) . ولأجل أن
يصح هذا الاستدلال عند ديكارت يجب ان يؤمن بالمنطق, ويعتقد بأن الشكل الأول من القياس منتج وصحيح في انتاجه, مع أنه لا يزال في بداية الشوط