فهرس الكتاب

الصفحة 69 من 262

اجتاحت التفكير اليوناني موجة من السفسطة في القرن الخامس قبل

الميلاد, في عصر راجت فيه طريقة الجدل في ميادين الخطابة والمحاماة

وتضاربت فيه الآراء الفلسفية والفرضيات غير التجريبية تضاربا شديدا, ولم

يكن الفكر الفلسفي قد تبلور ولم تبلغ درجة عالية من الرشد العقلي, فكان

هذا الصراع والتضارب بين المتناقضات الفلسفية سببا لبلبلة فكرية وارتياب جذري.

وكانت ملكة الجدل تغذي ذلك بما تلهم أبطالها الجدليين من شبهات

وأقيسة خاطئة, أنكروا على أساسها العالم برفض جميع الركائز الفكرية

للانسان وإنكار المحسوسات والبديهيات.

وقد وضع (غورغياس) ـ أحد أبطال هذه المدرسة ـ كتابا في (اللاوجود) وحاول أن يبرهن فيه عدة قضايا: الأولى, لا يوجد شيء. الثانية, إذا

كان يوجد شيء فالانسان قاصر عن إدراكه. الثالثة, إذا فرضنا أن إنسانا

أدركه فلن يستطيع أن يبلغه لغيره.

وقد عاشت السفسطة ردحا من الزمن تتفنن في عبثها بالفلسفة والعلم

حتى بزغ سقراط, وأفلاطون, وارسطو, فكانت لهم مواقف جبارة ضدها.

ووضع أرسطو للكشف عن مغالطات السفسطة وتنظيم الفكر الانساني

منطقه المعروف, وخلاصة مذهبه في نظرية المعرفة. ان المعلومات الحسية

والمعلومات العقلية الأولية أو الثانوية التي تكتسب بمراعاة الأصول المنطقية هي حقائق ذات قيمة قاطعة. ولذا أجاز في البرهان ـ الدليل القاطع في مصطلحه المنطقي ـ استعمال المحسوسات والمعقولات معا.

وقامت بعد ذلك محاولة للتوفيق بين الاتجاهين المتعارضين, بين الاتجاه

الذي يجنح الى الإنكار القاطع وهو السفسطة, والاتجاه الذي يؤكد على

الإثبات وهو اتجاه المنطق الأرسطي. وكانت هذه المحاولة تتمثل في مذهب الشك الذي يعتبر (بيرون) من المبشرين الأساسيين به.

وتعرف عن (بيرون) حججه العشر على ضرورة الشك المطلق, فكل

قضية في نظره تحتمل قولين, ويمكن إيجابها وسلبها بقوة متعادلة.

ولكن مذهب اليقين سيطر أخيرا على الموقف الفلسفي, وتربع العقل على عرشه الذي أقعده عليه (أرسطو) يحكم ويقرر مقيدا بمقاييس المنطق, وخمدت

جذوة الشك طيلة قرون, حتى حوالي القرن السادس عشر إذ نشطت العلوم الطبيعية واكتشفت حقائق لم تكن بالحسبان وخاصة في الهيئة ونظام الكون

العام. وكانت هذه التطورات العلمية بمثابة قوة الجدل في العصر اليوناني,

فبعثت مذاهب الشك والإنكار من جديد, واستانفت نشاطها باسأليب

متعددة, وقام الصراع بين اليقينيين أنفسهم في حدود اليقين الذي يجب أن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت