فهرس الكتاب

الصفحة 72 من 262

صحيحة وصادقة, ولم يؤمن بغير تلك الأفكار الفطرية من الأفكار التي تنشأ باسباب خارجية, وكان من نتيجة هذا ان قسم الافكار عن الماديات الى

قسمين:

احدهما الافكار الفطرية, كفكرة الامتداد.

والاخر افكار طارئة تعبر عن انفعالات خاصة للنفس بالمؤثرات الخارجية كفكرة الصوت, والرائحة, والضوء, والطعم, والحرارة, واللون.

فتلك كيفيات اولية حقيقية, وهذه كيفيات ثانوية لا تعبر عن حقائق

موضوعية وانما تتمثل في انفعالات ذاتية, فهي صور ذهنية تتعاقب وتثور في

دنيا الذهن بتأثير الاجسام الخارجية, ولا يشابهها شيء من تلك الاجسام.

هذا عرض خاطف جدا لنظرية المعرفة عند ديكارت.

ويجب ان نعرف قبل كل شيء ان القاعدة الاساسية التي اقام عليها

مذهبه ويقينه الفلسفي وهي (انا افكر فانا اذن موجود) , قد نقضت في

الفلسفة الاسلامية قبل ديكارت بعدة قرون؛ حين عرضها الشيخ الرئيس ابن

سينا ونقدها بانها لا يمكن ان تعتبر اسلوبًا من الاستدلال العلمي على وجود الانسان المفكر ذاته, فليس للانسان ان يبرهن على وجوده عن طريق فكره,

لأنه حين يقول (انا افكر فانا موجود) , ان كان يريد ان يبرهن على وجوده

بـ (فكره الخاص) فقط, فقد اثبت وجوده الخاص من اول الامر واعترف

بوجوده في نفس الجملة الاولى. وان كان يريد ان يجعل (الفكر المطلق) دليلًا

على وجوده, فهو خطأ, لأن الفكر المطلق يحكم بوجود مفكر مطلق لا مفكر خاص, واذن فالوجود الخاص لكل مفكر يجب ان يكون معلومًا له علمًا أوليًا بصرف النظر عن جميع الاعتبارات بما فيها شكه وفكره.

وبعد ذلك نرى ديكارت يقيم صرح الوجود كله على نقطة واحدة وهي

ان الافكار التي خلقها الله في الانسان تدل على حقائق موضوعية, فلو لم تكن مصيبة في ذلك لكان الله خادعا, والخداع مستحيل عليه.

وبسهولة يمكن ان نتبين الخلط بين المعرفة التأملية والمعرفة العملية في

برهانه. فان قضية (الخداع مستحيل) هي الترجمة غير الامنية لقضية (الخداع قبيح) وهذه القضية ليست قضية فلسفية وانما هي فكرة عملية فكيف شك (ديكارت) في كل شيء ولم يشك في هذه المعرفة العملية, التي جعلها اساسا

للمعرفة التأملية الفلسفية؟!!.

اضف الى ذلك ان تسلسل المعرفة في مذهب ديكارت ينطوي على دور واضح, فانه حين آمن بالمسالة الالهية اقام ايمانه هذا على قضية يفترض

صدقها سلفا وهي ان الشيء لا يخرج من لا شيء. وهذه القضية تحتاج

بدورها الى اثبات المسالة الالهية لتكون مضمونة الصدق, فما لم يثبت ان

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت