فهرس الكتاب
الانسان محكوم لقوة حكيمة غير خادعة, لا يجوز لديكارت ان يثق بهذه
القضية ويقضي على شكه في سيطرة قوة خداعة للفكر الانساني.
واخيرا فلسنا بحاجة لتوضيح خلط آخر صدر منه بين (فكرة الله)
و (الحقيقة الموضوعية التي تدل عليها) حين آمن باستحالة انبثاق هذه الفكرة
عن الانسان لانها اكبر منه. والحال انها لا تزيد على فكرة, وانما يستحيل على الانسان ان يخلق لهذه الفكرة حقيقتها الموضوعية.
وليس هدفنا بالفعل التوسع في مناقشة (ديكارت) , وانما نعني عرض
وجهة نظره في قيمة المعرفة الانسانية التي تتلخص في الايمان بالقيمة القاطعة للمعارف العقلية الفطرية خاصة.
3ـ جون لوك:
وهو الممثل الاساسي للنظرية الحسية والتجريبية كما عرفنا سابقا. ورأيه في نظرية المعرفة ان المعارف تنقسم كما ياتي:
أ ـ المعرفة الوجدانية. وهي المعرفة التي لا يحتاج الفكر في سبيل الحصول عليها الى ملاحظة شيء آخر. كمعرفتنا بان الواحد نصف الاثنين.
ب ـ المعرفة التأملية. وهي لا تحصل من دون استعانة بمعلومات سابقة, كمعرفتنا بأن مجموع زوايا المثلث يساوي قائمتين.
ج ـ المعرفة الناشئة من وقوع الحس على المعنى المعلوم.
ويعتقد (لوك) ان المعرفة الوجدانية معرفة حقيقية ذات قيمة كاملة من
الناحية الفلسفية, وكذلك المعرفة التاملية التي يمكن توضيحها باستدلال
صحيح. واما المعرفة الحسية فلا قيمة لها فلسفيا وان كانت معتبرة في مقاييس
الحياة العملية ونظرا لذلك لم يؤمن موضوعيا بجميع خواص المادة المدركة
بالحس, بل اعتبر بعضها خواصا حقيقية موضوعية كالشكل والامتداد,
والحركة, واعتبر بعضها الآخر انفعالا ذاتيا كاللون والطعم والرائحة وما اليها
من صفات.
ونظرية (لوك) هذه في المعرفة ووزنها الفلسفي لا يتفق مع رأيه الخاص في
تحليل المعرفة, ذلك ان الادراك في زعم (لوك) يرجع كله الى الحس
والتجربة, وحتى المعارف البديهية ـ كمبدأ عدم التناقض ونحوه من المبادئ الاساسية في الفكر البشري ـ لم توجد لدى الانسان الا عن هذا الطريق. وهذا الحس الذي هو المصدر الاساسي لتلك الادراكات ليس ذا قيمة فلسفية قاطعة
في نظرية المعرفة عند (لوك) , والنتيجة الطبيعية لذلك هي الشك المطلق في قيمة
كل معرفة انسانية لانها ليست في حقيقتها ونواتها الاساسية الا ادراكا حسيا اكتسب بالتجربة الظاهرية او الباطنية.