فهرس الكتاب

الصفحة 74 من 262

وهكذا يبدو ان تنويعه للمعرفة الى اقسام ثلاثة, والتفريق بينها من ناحية الاعتبار الفلسفي يتناقض مع الاسس التي اقامها.

كما ان تقسيمه لخواص الاجسام المحسوسة الى طائفتين ـ كما فعل

ديكارت ـ ليس منطقيا على اسسه, وان كان منطقيا الى حد ما على أساس (ديكارت) , ذلك ان (ديكارت) كان يقسم المعرفة الى عقلية وحسية, ويؤمن باعتبار الاولى من ناحية فلسفية دون الثانية, وقد زعم ان فكرة الانسان عن

بعض خواص الجسم من الافكار العقلية الفطرية, وفكرته عن بعضها الاخر

حسية, فصح له بسبب ذلك ان ينوع تلك الخواص إلى أولية وثانوية، ويؤمن بأن الخواص الأولية حقيقية وموضوعية دون الخواص الثانوية. واما(جون

لوك)فقد بدأ بناءه الفلسفي بإبعاد الافكار الفطرية والايمان بسيادة الحس على الادراك كله فخواص الاجسام لا سبيل الى ادراكها الا الحس, فما هو الفارق الفلسفي بين بعضها والبعض الآخر.

4ـ المثاليون:

والمذهب المثالي عميق الجذور في تاريخ الفكر الانساني ومتعدد الاساليب, ولفظ المثالية هو أيضًا من الالفاظ التي لعبت ادوارًا مهمة عبر التاريخ

الفلسفي, وتبلور في عدة مفاهيم فلسفية تبادلت عليه, وأكسبته بسبب ذلك

لونا من الغموض والالتباس.

وقد ابتدأت المثالية دورها الاول في المصطلح الفلسفي على يد افلاطون,

حين قال بنظرية خاصة في العقل والعلم الانساني, وسميت تلك النظرية

بنظرية (المثل الافلاطونية) , فقد كان افلاطون فيلسوفا مثاليا, ولكن مثاليته لم

تكن تعني انكار الحقائق المحسوسة وتجريد الادراكات الحسية عن الحقائق

الموضوعية المستقلة عن مجال التصور والادراك, بل كان يعتقد بموضوعية الاحساس, غير انه ذهب الى اكثر من ذلك فاعتقد بموضوعية الادراكات

العقلية التي هي اعلى درجة من الادراكات الحسية مقررا ان الادراك

العقليوهو ادراك الانواع العامة كادراك معاني الانسان والماء والنور_ ذو حقيقة موضوعية مستقلة عن التعقل, كما سبق ايضاحه في الجزء الاول من هذه

المسالة.

وهكذا نعرف ان المثالية القديمة كانت لونًا من الوان الاسراف في الايمان بالواقع الموضوعي, لانها آمنت بالواقع الموضوعي للاحساس ـ ادراك المعاني

الخاصة بالحس ـ , وللتعقل ـ ادراك المعاني بصورة عامة ـ , ولم تكن انكارًا للواقع او شكًا فيه.

واتخذت المثالية في التاريخ الحديث مفهوما آخر يختلف كل الاختلاف عن المفهوم السابق, فبينما كانت المثالية الافلاطونية تؤكد على وجود الحقيقة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت