فهرس الكتاب

الصفحة 78 من 262

الاحساس بصورة مطلقة, بل يمكننا ان نفسر التناقض على وجه آخر وهو ان إحساساتنا عبارة عن انفعالات نفسية بالاشياء الخارجية, فلا بد من شيء

خارجي حينما نحس وننفعل. ولكن ليس من الضروري تكافؤ الاحساس مع

الواقع الموضوعي لأن الاحساس لما كان انفعالا ذاتيا فهو لا يتجرد عن الناحية الذاتية. ويمكننا على هذا الاساس ان نحكم فورا في شأن الماء الذي افترضه

باركلي بانه ماء دافئ ليس ساخنا ولا باردا, وان هذا الدفء هو الواقع

الموضوعي الذي اثار فينا الاحساسين المتناقضين, وقد تناقض الاحساسان

بسبب الناحية الذاتية التي نضيفها على الاشياء حين ندركها وننفعل بها.

الدليل الثاني: ان الاعتقاد بوجود الاشياء خارج روحنا وتصورنا انما يقوم

على أساس اننا نراها ونلمسها ـ أي اننا نعتقد بوجودها, لأنها تعطينا

احساسات ما, إلا ان احساساتنا ليست سوى افكار تحتويها ارواحنا, واذن فالاشياء التي تدركها حواسنا ليست سوى افكار, والافكار لا يمكن ان توجد خارج روحنا.

وباركلي في هذا الدليل يحاول ان يجعل مسالة الايمان بالواقع الموضوعي للاشياء متوقفة على الاتصال بذلك الواقع بصورة مباشرة, وما دام لا يتاح لنا

في حال من الاحوال ان نتصل اتصالا مباشرا بالاشياء خارج روحنا, وما دمنا مضطرين الى ادراكها في تصوراتنا وافكارنا خاصة ... فلا وجود في الحقيقة

الا لهذه التصورات والافكار. ولو اطحنا بها لم يبق شيء نستطيع ان ندركه,

او ان نعترف بوجوده.

ويجب ان نلاحظ قبل كل شيء ان هذه الحجة التي حاول باركلي ان

يبرهن بها على مفهومه المثالي ليست صحيحة, حتى عند باركلي نفسه, فانه

يتفق معنا ـ بصورة غير شعورية ـ على دحضها وعدم كفايتها لتبرير المفهوم المثالي, ذلك انها تؤدي الى مثالية ذاتية تنكر وجود الاشخاص الاخرين كما

تنكر وجود الطبيعة على السواء. فان الحقيقة اذا كانت مقتصرة على نفس

الادراك والشعور باعتبار اننا لا نتصل بشيء وراء حدود الذهن ومحتوياته الشعورية, فهذا الادراك والشعور هو ادراكي وشعوري انا, وانا لا اتصل

بادراك الآخرين وشعورهم كما لا اتصل بالطبيعة ذاتها, وهذا يفرض عليّ عزلة

عن كل شيء عدا وجودي وذهني فليس لي الحق بالتسليم بوجود الناس

الآخرين لأنهم ليسوا الا تصورات ذهني وفكري الذاتي. وهكذا تنتهي المسالة

الى مثالية فردانية فظيعة, فهل كان يمكن لـ (باركلي) ان يندفع مع حجته الى اقصى مداها ويخرج منها بمثالية كهذه؟ واذا كان قد حاول شيئا من هذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت