فهرس الكتاب

الصفحة 79 من 262

فسوف يتناقض مع نفسه قبل غيره, والا فمع من كان يتحدث؟! ولمن كان

يكتب ويؤلف؟! ولحساب من كان يلقي محاضراته ودروسه؟! اليس ذلك

تاكيدا قاطعا من باركلي على الواقع الموضوعي للاشخاص الآخرين؟!.

وهكذا يتضح ان باركلي نفسه يشاركنا في عدم قبول الحجة التي يتبناها والتصديق ـ ولو لا شعوريا ـ ببطلانها.

ويبقى علينا بعد هذا ان نوضح سر المغالطة في هذا الدليل, لنفهم

السبب في عدم حصول القناعة الواقعية به حتى لـ (باركلي) نفسه.

وفي هذا الصدد يلزمنا ان نستذكر ما عرفناه في الجزء الاول من

المسالة ـ المصدر الاساسي للمعرفة ـ من انقسام الادراك البشري الى قسمين رئيسين وهما التصديق والتصور. وان نعرف للتصديق ميزته الاساسية على

التصور, هذه الميزة التي تجعل من المعرفة التصديقية همزة الوصل بيننا وبين

العالم الخارجي.

وإيضاح ذلك, ان التصور عبارة عن وجود صورة لمعنى من المعاني في

مداركنا الخاصة, فقد توجد الصورة في حواسنا فيكون وجودها كذلك مكونا للاحساس بها, وقد توجد الصورة في مخيلتنا فيحصل بذلك التخيل, وقد توجد الصورة بمعناها التجريدي العام في الذهن ويسمى وجودها هذا تعقلا.

فالاحساس والتخيل والتعقل الوان من التصور وانحاء لوجود صور الاشياء في المدارك البشرية. فنحن نتصور التفاحة على الشجرة بالاحساس بها عن طريق الرؤية, ومعنى احساسنا بها وجود صورتها في حواسنا, ونحتفظ بعد ذلك بهذه الصورة بعد انصرافنا عن الشجرة في ذهننا وهذا الوجود هو التخيل, ويمكننا

بعد ذلك ان نسقط من الصورة الخصائص التي تمتاز بها عن التفاحات

الاخرى, ونستبقي المعنى العام منها ـ أي معنى التفاحة بصفة كلية, وهذه

الصورة الكلية هي التعقل. فهذه مراحل ثلاث من التصور يجتازها الادراك, البشري وهو لا يعبر في كل مرحلة إلا عن وجود صورة في بعض مداركنا,

فالتصور بصفة عامة لا يعدو أن يكون وجودا لصورة شيء ما في مداركنا,

سواء أكان تصورا واضحا جليا كالاحساس, أم باهتا وضئيلا كالتخيل

والتعقل, وهو لذلك لا يمكن أن يشق لنا الطريق الى ما وراء هذه الصورة

التي نتصورها في مداركنا, ولا يكفي للانتقال من المجال الذاتي الى المجال

الموضوعي, لأن وجود صورة للمعنى في مداركنا شيء, ووجود ذلك المعنى

بصورة موضوعية ومستقلة عنا في الخارج شيء آخر, ولذا قد يجعلنا الاحساس نتصور أمورا عديدة لا نؤمن بان لها واقعا موضوعيا مستقلا, فنحن نتصور

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت