فهرس الكتاب

الصفحة 80 من 262

العصا المغموسة في الماء وهي مكسورة, ولكننا نعلم بان العصا لم تنكسر في

الماء حقًا, وانما نحسها كذلك بسب انكسار الاشعة الضوئية في الماء. ونتصور الماء الدافئ حارا جدا حين نضع يدنا فيه وهي شديدة البرودة, مع يقيننا بان

الحرارة التي احسسنا بها ليس لها واقع موضوعي.

واما التصديق ـ أي القسم الآخر من الادراك البشري ـ فهو الذي يصح

ان يكون نقطة الانطلاق لنا من التصورية الى الموضوعية, فلنلاحظ كيف يتم ذلك؟.

ان المعرفة التصديقية عبارة عن حكم النفس بوجود حقيقة من الحقائق

وراء التصور, كما في قولنا: ان الخط المستقيم اقصر مسافة بين نقطتين. فان

معنى هذا الحكم هو جزمنا بحقيقة وراء تصوراتنا للخطوط المستقيمة والنقاط والمسافات, ولذلك يختلف كل الاختلاف عن الوان التصور الساذج, فهو:

اولًا: ليس صورة لمعنى معين من المعاني التي يمكن ان نحسها ونتصورها,

بل فعلا نفسيا يربط بين الصور, ولهذا لا يمكن ان يكون واردا الى الذهن

عن طريق الاحساس, وانما هو من الفعاليات الباطنية للنفس المدركة.

ثانيًا: يملك خاصة ذاتية لم تكن موجودة في شيء من الوان التصور

واقسامه, وهي خاصة الكشف عن واقع وراء حدود الادراك, ولذلك كان من الممكن ان تتصور شيئا وان تحس به ولا تؤمن بوجوده في واقع وراء الادراك والشعور, ولكن ليس من المعقول ان تكون لديك معرفة تصديقية ـ أي ان

تصدق بأن الخط المستقيم هو اقرب مسافة بين نقطتين ـ وتشك مع ذلك في وجود حقيقة موضوعية يحكي عنها ادراكك وشعورك.

وهكذا يتضح ان المعرفة التصديقية هي وحدها التي يمكن ان ترد على

حجة باركلي القائلة: انا لا نتصل بالواقع مباشرة وانما نتصل بافكارنا فلا

وجود الا لأفكارنا. فالنفس وان كانت لا تتصل مباشرة الا بادراكاتها الا ان

هناك لونا من الادراك يكشف بطبيعته كشفا ذاتيا عن شيء خارج حدود

الادراك وهو الحكم ـ أي المعرفة التصديقية. فحجة باركلي كانت تقوم على الخلط بين التصور والتصديق, وعدم ادراك الفوارق الاساسية بينهما.

وعلى هذا الضوء نتبين ان المذهب التجريبي والنظرية الحسية يؤديان الى

النزعة المثالية, فهما مضطران الى قبول الحجة التي قدمها باركلي, لأن النفس البشرية بمقتضى هذين المبداين لا تملك ادراكا ضروريا او فطريا مطلقا, وانما

تنشأ ادراكاتها جميعا من الحس وترتكز معارفها عليه, والحس ليس الا لونا من

الوان التصور, فمهما كثر وتنوع لا يعدو حدوده التصورية, ولا يمكن ان يخطو

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت