فهرس الكتاب
به الانسان الى الموضوعية خطوة واحدة.
الدليل الثالث: ان الادراكات والمعارف البشرية اذا كانت لها خاصة
الكشف الذاتي عن مجال وراء حدودها وجب ان تكون جميع العلوم والمعارف صحيحة, لانها كاشفة بحكم طبيعتها وذاتها, والشيء لا يتخلى عن وصفه
الذاتي, مع ان جميع مفكري البشرية يعترفون بأن كثيرًا من المعلومات
والاحكام التي لدى الناس هي ادراكات خاطئة ولا تكشف شيئا من الواقع,
بل قد يجمع العلماء على الاعتقاد بنظرية ما ويتجلى بعد ذلك بكل وضوح انها ليست صحيحة, فكيف يفهم هذا على ضوء ما تزعمه الفلسفة
الواقعية ـ من ان العلم يتمتع بالكشف الذاتي؟! وهل لهذه الفلسفة من مهرب
الا التنازل عن منح العلم هذه الصفة؟! واذا تنازلت عن ذلك كانت المثالية
امرًا محتما, لانا لا نستطيع ان نصل حينئذ الى الواقع الموضوعي عن طريق
افكارنا ما دمنا قد اعترفنا بانها لا تملك كشفا ذاتيا عن ذلك الواقع.
ولأجل ان نجيب على هذا الدليل يلزمنا ان نعرف ما هو معنى الكشف
الذاتي للعلم؟ ان الكشف الذاتي للعلم معناه ان يرينا متعلقه ثابتًا في الواقع
الخارج عن حدود ادراكنا وشعورنا. فعلمنا بأن الشمس طالعة وان المثلث غير المربع يجعلنا نرى طلوع الشمس ومغايرة المثلث للمربع ثابتين في واقع مستقل
عنا, فهو يقوم بدور المرآة, واراءته لنا ذلك هي كشفه الذاتي, وليس معنى
هذه الاراءة ان طلوع الشمس موجود في الخارج حقا, وان مغايرة المثلث
للمربع ثابتة في الواقع. فان كون الشيء ثابتا في الواقع غير كونه مرئيا
كذلك, وبذلك نعرف ان الكشف الذاتي للعلم لا يختلف عنه حتى في موارد
الخطا والاشتباه, فان علم القدماء بان الشمس تدور حول الارض كان له من الكشف الذاتي بمقدار ما لعلمنا بدوران الارض حول الشمس من
كشف ـ بمعنى انهم كانوا يرون دوران الشمس حول الارض امرًا ثابتًا في
الواقع بصورة مستقلة عنهم, فوجود هذا الدوران بصورة موضوعية كان مرئيا
لهم أي انهم كانوا يصدقون بذلك وان لم يكن ثابتا في الواقع (1) .
(1) ـ وبالتعبير الفلسفي المصطلح ان التضايف القائم بين الكاشف وهو العلم, والمنكشف بالعرض وهو الشيء الخارج عن حدود العلم, ليس ثابتًا بين وجود الكاشف ووجود المنكشف بالعرض, ليمتنع انفكاك احدهما عن الآخر, وانما هو بين الكاشفية الذاتية للعلم والمنكشفية بالعرض للشيء الخارج عن حدود العلم, ومن الواضح ان الامرين متلازمان ولا يمكن انفكاكهما مطلقًا.