فهرس الكتاب

الصفحة 82 من 262

فالانسان بطبيعته اذن يخرج من التصورية الى الموضوعية بالعلم التصديقي لمكان كشفه الذاتي, سواء اكان العلم مصيبا في الواقع ام مخطئا, فانه علم

وكشف على كل تقدير.

الدليل الرابع: ان المعارف التصديقية اذا كانت تخطئ ولم يكن

كشفها الذاتي يصونها عن ذلك فلماذا لا يجوز ان تكون جميع معارفنا التصديقية خطأ؟! وكيف يمكننا ان نعتمد على الكشف الذاتي للعلم ما دام هذا الكشف

صفة لازمة للعلم في موارد الخطأ والصواب على حد سواء.

وهذه المحاولة تختلف في هدفها عن المحاولة السابقة, ففي تلك المحاولة

كانت تستهدف المثالية الى اعتبار المعارف البشرية اشياء ذاتية لا تشق لنا

الطريق الى الواقع الموضوعي, وقد احبطنا تلك المحاولة بايضاح ما للمعارف التصديقية من كشف ذاتي تمتاز به على التصور الخالص. واما هذه المحاولة

فهي تقصد ازالة المعارف التصديقية نهائيا من التفكير البشري, لانها ما دامت

قد تخطئ, او ما دام كشفها الذاتي لا يعني صحتها دائما, فلماذا لا نشك

فيها ونتخلى عنها جميعا؟! ولا يوجد لدينا بعد ذلك ما يضمن وجود العالم الموضوعي.

وبطبيعة الحال, ان التفكير البشري لو لم يكن يملك عدة معارف مضمونة الصحة بصورة ضرورية, لكان هذا الشك لازما ولا مهرب عنه, ولما امكننا

ان نعلم بحقيقة مهما كانت ما دام هذا العلم لا يستند الى ضمان ضروري,

وكان الخطأ محتملا في كل مجال. ولكن الذي يقضي على هذا الشك هو

المذهب العقلي ـ الذي درسناه في الجزء الاول من نظرية المعرفة(المصدر

الاساسي للمعرفة)ـ فهو يقرر وجود معارف ضرورية مضمونة الصحة لا يقع

فيها الخطأ مطلقًا, وانما يقع احيانا في طريقة الاستنتاج منها. وعلى هذا التقسيم المعارف البشرية ـ كما سبق في تلك الدراسة ـ الى معارف ضرورية مضمونة تتشكل منها القاعدة الرئيسية للتفكير, ومعارف ثانوية تستنتج من تلك القاعدة وهي التي قد يقع فيها الخطا.

فنحن اذن مهما شككنا, لا نستطيع ان نشك في تلك القاعدة لأنها

مضمونة الصدق بصورة ضرورية.

ونريد ان نتبين الآن ما اذا كان في وسع الفيلسوف المثالي باركلي ان ينكر تلك القاعدة المضمونة, ولا يقر بوجود معارف ضرورية فوق الخطا والاشتباه

او لا؟.

ولا شك في ان الجواب هو النفي, فانه مضطر الى الاعتراف بوجود

معارف مضمونة الصدق ما دام قد حاول الاستدلال على مثاليته بالادلة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت