فهرس الكتاب

الصفحة 83 من 262

السابقة, فان الانسان لا يمكنه ان يستدل على شيء ما لم يركز استدلاله على اصول وقواعد مضمونة الصدق عنده, ونحن اذا لاحظنا ادلة باركلي وجدناه مضطرا الى الاعتراف:

أولا: بمبدأ عدم التناقض الذي ارتكز عليه الدليل الاول, فان التناقض

اذا كان ممكنا, فلا يصح ان يستنتج من تناقض الاحساسات عدم

موضوعيتها.

وثانيًا: بمبدأ العلية والضرورة, فهو لو لم يكن يعترف بهذا المبدأ لكان

استدلاله عبثًا, لأن الانسان انما يقيم دليلًا على رأيه لايمانه بأن الدليل علة

ضرورية للعلم بصحة ذلك الراي. فاذا لم يكن يعتقد بمبدأ العلية والضرورة

جاز ان يكون الدليل صحيحا, ومع ذلك لا يثبت به الراي المطلوب.

واذا ثبت وجود معارف مضمونة الصدق في التفكير البشري, فلا شك في

ان من تلك المعارف معرفتنا بوجود العالم الموضوعي المستقل عنا, فان العقل

يجد نفسه مضطرا الى التصديق بوجود عالم خارجي على سبيل الاجمال ورفض

كل شك في ذلك, مهما وقعت من مفارقات بين حسه والواقع, او بين فكره والحقيقة, بل يعد التشكيك في وجود العالم المستقل ضربًا من الجنون.

ونخلص من مناقشاتنا للمثالية الفلسفية الى ان الواقعية ترتكز على اساسين:

الاول, الايمان بوجود كشف ذاتي للمعارف التصديقية, والثاني, الاعتقاد بقاعدة اساسية للمعرفة البشرية مضمونة الصدق بصورة ضرورية. وكلا هذين الاساسين قد وجدنا باركلي مضطرا الى الاعتراف بهما, فانه لولا الكشف

الذاتي للمعرفة التصديقية لما عرف الاشخاص الآخرين, ولما كيّف حياته على

اساس وجودهم, ولولا وجود معارف مضمونة الصدق في التفكير البشري لما

امكنه ان يستدل على مزاعمه المثالية.

ب ـ المثالية الفيزيائية:

كانت الفيزياء قبل قرن من الزمان تفسر الطبيعة تفسيرًا واقعيًا ماديًا

تحكمه قوانين الميكانيك العامة. فالطبيعة واقعية عند الفيزيائيين بمعنى انها

موجودة بصورة مستقلة عن الذهن والشعور, وهي مادية أيضًا لأن مرد

الطبيعة في تحليلهم العلمي الى جزئيات صلبة صغيرة لا تقبل التغير ولا

الانقسام, وهي الجواهر المفردة التي نادى بها ديموقريطس في الفلسفة اليونانية, وهذه الجزئيات او الكتل الاولية للطبيعة في حركة مستمرة. فالمادة هي مجموع

تلك الجزئيات, والظاهرات الطبيعية فيها ناتجة عن انتقال تلك الكتل وحركتها

في المكان.

ولما كانت هذه الحركة بحاجة الى تفسير من العلم فقد فسرتها الفيزياء

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت