فهرس الكتاب

الصفحة 84 من 262

تفسيرا آليًا كما تفسر الحركة في رقاص الساعة او الامواج الصوتية, وافترض وجود قوى في الكتل او علاقات خاصة بين تلك الكتل, لمحاولة تكميل

التفسير الآلي لظواهر الطبيعة. وهذه القوى والعلاقات بدورها يجب ان تخضع للتفسير الآلي ايضًا فنشأ من ذلك في الفيزياء المفهوم الفرضي لـ (الاثير) ,

واسندت اليه عدة مهام كانتشار الضوء الذي افترض الاثير حاملًا له عند

انتقاله من بعض الاجسام الى بعض, كما يحمل أيضا الحرارة والكهرباء

ونحوها من قوى الطبيعة.

ويتلخص هذا العرض في ان الطبيعة واقع موضوعي مادي يحكمه نظام

آلي كامل.

ولم يستطع, هذا المفهوم الفيزيائي ان يصمد للكشوف الحديثة التي

فرضت على العلماء ان يقلبوا نظرياتهم عن الطبيعة راسا على عقب, وبرهنت

لهم على ان العقل العلمي لا يزال في البداية, وكان من اهم تلك الكشوف

العلمية اكتشاف الكهارب الذي دل على وجود بنية مركبة للذرة واكتشاف انحلالها الاشعاعي.

فبينما كانت الذرة هي الوحدة المادية الاساسية التي تتألف منها الطبيعة

عادت بدورها مركبة, ولم تقف القصة عند هذا الحد بل واصبح من الممكن

ان تتبخر كهرباء. وبينما كانت الحركة محدودة في حدود الحركات الميكانيكية

التي تتسق مع التفسير الالي للطبيعة, اكتشفت الوان اخرى من الحركة. وبينما كان الراي السائد يزعم ان كتلة المادة ـ وهي التعبير الرياضي عن الجوهر

المادي ـ دائمة وغير قابلة للتغيير, ثبت في البرهان العلمي انها ليست ثابتة بل

هي نسبية ولا تعبر في مفهومها الواقعي الا عن طاقة مكتنزة ولذا تختلف كتلة الجسم باختلاف حركته.

وهكذا بدا للفيزيائيين واضحًا ان المادية قد ماتت وان المفهوم المادي

للعالم اصبح يتعارض مع العلم والبراهين التجريبية.

ولأجل ذلك استطاع العلماء ان يكونوا عن العالم مفهوما جوهريا اعمق

من المفهوم المادي, وليست المادية الا وجها من وجوه هذا المفهوم الجديد, بل

ذهب بعض الفيزيائيين الى اكثر من ذلك فزعم ان مرد العالم الى حركة

خالصة محاولا الاستغناء عن اضافة أي حقيقة جوهرية اليها.

فقد قال (أوزوالد) :

[ان العصا التي تضرب (سكابان) لا تنهض على وجود

العالم الخارجي, هذه العصا ليست موجودة وليس موجودا الا

طاقتها الحركية] .

وقال (كارل بيرسون) :

[المادة هي اللامادي الذي هو في حركة] .

وفي غمرة هذه الكشوف الجديدة التي زعزعت الكيان المادي واظهرت ان المادة هي الوهم البشري العام عن العالم لا المفهوم العلمي المطابق للعالم,

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت