فهرس الكتاب

الصفحة 85 من 262

ظهر الاتجاه المثالي في الفيزياء واستهوى كثيرًا من الفيزيائيين, فقالوا: ما دام

العلم يقدم في كل يوم براهين جديدة ضد القيمة الموضوعية للمعرفة البشرية,

وضد الصفة المادية للعالم, فليست الذرات او البنيات الاساسية للمادة, بعد

ان تبخرت على ضوء العلم, الا طرقًا مناسبة للتعبير عن الفكر, واستعارات واشارات لا تتضمن من الحقيقة الواقعية شيئا.

قال أدينغتون:

[ليس ثمة في منظومة قوانين علم الطبيعة كلها شيء

واحد لا يمكن استنتاجه بوضوح من اعتبارات نظرية المعرفة

الشاملة المطلقة وتأملاتها, والدماغ الذي يكون غير عالم

بكوننا ولكنه يعرف نظام التفكير الذي يفسر بوساطته العقل

البشري تجربته الحسية, يكون بمقدوره ان يبلغ جميع معارف

علم الطبيعة المحصلة من طريق التجربة, وفي النهاية اقول:

ان ما ادركه عن الكون هو تمامًا وبصورة صحيحة دقيقة

الشيء نفسه الذي نضيفه الى الكون ليصبح مفهوما].

وأعرب بعد ذلك عن امله في:

[ان يعرف في السنوات القريبة القادمة ما كان خبيئًا في

النواة الذرية رغم ما ينشأ في اذهاننا من ظن بان هذا قد

خبئ من قبلنا].

والواقع ان الاتجاه المثالي عند هؤلاء الفيزيائيين ناتج عن خطا في التفكير الفلسفي لا عن برهان فيزيائي في المجال العلمي, ذلك ان المسالة الاساسية في

الفلسفة التي انقسم الفلاسفة في الجواب عنها الى مثاليين وواقعيين بدت لهم مغلوطة.

فالمسالة الاساسية هي مسالة ما اذا كان للعالم واقع موضوعي مستقل عن ذهننا وشعورنا, وقد فهمها اولئك الفيزيائيون على انها لا تقبل سوى اجابتين

على الوجه الاتي فقط:

اما ان مرد العالم الى الذهن والشعور فلا وجود له بصورة موضوعية, واما

ان العالم واقع مادي موجود خارج الذهن والشعور.

فاذا استبعدنا الاجابة الثانية بالبراهين والتجارب العلمية التي دلت على

ان المادية ليست الا قناعًا للحقيقة التي ينطوي عليها العالم, لزمنا الاخذ

بالاجابة الاولى والاعتقاد بالمفهوم المثالي البحث للعالم.

ولكن الحقيقة ان الاجابتين لم توضعا وضعا صحيحا فيما سبق, ذلك ان

تقديم اجابة تناقض الاجابة المثالية لا تحتم علينا الايمان بلزوم الصفة المادية

للواقع الموضوعي, فان الواقعية التي تخالف المثالية بصورة متقابلة لا تعني اكثر

من الاعتراف بوجود واقع موضوعي مستقل عن الذهن والشعور, واما ان هذا الواقع الموضوعي المستقل هل هو المادة او القوة او الحركة او الموج

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت