فهرس الكتاب
خطأها فهي تدور كلها حول بنية العالم الموضوعي وتحديد واقعه وعناصره الاساسية, ومن الواضح ان مسلمات كهذه انما تثبت بالتجربة العلمية,
فانهيارها ووضوح خطئها ـ بسبب نقصان التجارب التي ارتكزت عليها عدم دقتها, او عدم صحة الاستنتاج العقلي للنظرية من التجربة ـ لا يعني بحال من الاحوال ان يجوز الخطا على المسلمات العقلية الضرورية.
ج ـ المثالية الفيزيولوجية:
وهذا لون آخر من المثالية يبدو عند بعض علماء الفيزيولوجيا, ويعتمد في زعمهم على الحقائق الفيزيولوجية التي يكشفها العلم. وينطلق هذا الاتجاه
المثالي من نقطة لا نقاش فيها, وهي ان الشكل الذاتي للاحساس البشري
يتوقف تحديده على تركيب حواسنا وعلى الجهاز العضوي بصورة عامة. فليست طبيعة الاحساس الآتي من العالم الخارجي هي التي تحدد بمفردها شكل الشيء
في احساسنا, بل هو رهين بطبيعة الجهاز العصبي قبل كل شيء, وقد زعموا
بناء على ذلك ان الحاسة لا تعطينا انباء عن العالم الخارجي, وانما هي تنبئنا
عن جهازنا العضوي الخاص, وليس معنى ذلك ان الاحساس لا صلة له
بالشيء الخارجي, بل الاشياء الخارجية هي ان الاسباب الاولية لاثارة العمليات الحسية في اعضائنا, ولكن طبيعة الجهاز الخاص هي التي تبلور
عملية الاحساس في الكيفية التي يعبر بها عن نفسه, ولأجل هذا فالاحساس
يمكن ان يعتبر بمثابة رمز وليس بمثابة صورة, ذلك لأن الصورة يتطلب منها
بعض الشبه مع الشيء الذي تمثله, واما الرمز فلا يلزم ان يكون له أي شبه
مع الشيء الذي يعنيه.
وهذا الاتجاه المثالي من المضاعفات اللازمة للمفهوم المادي للادراك الذي نرفضه كل الرفض, فان الادراك اذا كان عبارة عن عملية فيزيولوجية
خالصة. وتفاعل مادي خاص بين الجهاز العصبي والاشياء الموضوعية في
الخارج, فيجب ان تكون كيفية هذا العمل الفيزيولوجي هنا مرتبطة بطبيعة
الجهاز العصبي, او بطبيعة الجهاز وطبيعة الشيء الموضوعي معا. وهذا وان
يكن مؤديا الى مثالية صريحة ونفي لواقع العالم الموضوعي ما دمنا قد احتفظنا
للاشياء الخارجية بصفة السببية لعمليات الجهاز العصبي, الا انه قد يسمح بالتشكيك في مدى مطابقة الاحساس للواقع الموضوعي, والريب في ان لا
يكون الادراك مجرد انفعال خاص يدل على سببه بصورة رمزية من دون تشابه
في الحقيقة والمحتوى. وسوف نعود الى هذا المفهوم المثالي الفيزيولوجي عن
قريب.
5ـ انصار الشك الحديث: