فهرس الكتاب
مطلقة, لأن ذلك يتنافى مع الجدل القائل بتطور جميع الحقائق طبقا للتناقضات المحتواة فيها, فهل الخاصة الاساسية للمادة في مفهومها اللينيني الجديد خاصة
مطلقة لا تتطور ولا تخضع لقانون الجدل وتناقضاته, فان كانت كذلك فقد
وجدت اذن الحقيقة المطلقة التي يرفضها الديالكتيك ولا يقرها اصول الجدل الماركسي. وان كانت هذه الخاصة جدلية ومحتوية على التناقضات
الدافعة لها الى التطور والتغير كسائر حقائق العالم, فمعنى ذلك ان المادية تشكو
هي أيضًا من التناقض وتضطر لأجل ذلك الى التغير والتبدل ونزع الصفة
الاساسية للمادة عنها.
والنتيجة التي نخرج بها هي ان النزعة المثالية عند الفيزيائيين نشأت عن
عدم التمييز بين المسألتين الفلسفيتين اللتين شرحناهما, وليست وليدة الادلة
العلمية بصورة مباشرة.
ومع هذا فيجب ان نشير الى عامل آخر لعب دورًا مهما في زعزعة يقين العلماء بالواقع الموضوعي, وهو انهيار المسلمات العلمية في الميدان العلمي
الحديث, فبينما كانت تعتبر تلك المسلمات حقائق قاطعة لا تقبل الشك
استطاع العلم ان يزيفها ويبرهن على خطئها فذابت, في لحظة ذرات(جون
دالتون)وتزعزع قانون عدم فناء المادة, ودللت التجارب على ان المادة وهم
عاش فيه البشر آلاف السنين, فكان رد الفعل لذلك ان ثار الشك من جديد
وطغى على افكار عدة من العلماء, فاذا كانت مسلمات العلم بالأمس اخطاء
اليوم فلماذا لا يجوز لنا ان نرتاب في كل حقيقة مهما بدت لنا واضحة, ولماذا
نفترض المسألة الاساسية ـ مسالة وجود الواقع الموضوعي للعالم ـ فوق الريب والشك؟.
وهكذا انبثقت النزعة المثالية او اللاأدرية لا باعتبار برهنة العلم على
صحتها وصوابها, بل باعتبار تزعزع عقيدة العلماء بالعلم وزوال ايمانهم
بمسلماته القاطعة, ولكن هذا العامل لا يعدو ان يكون باعثا نفسيا او ازمة
نفسية اوحت بالتمايل نحو المثالية, وتزول هذه الازمة النفسية بادنى ملاحظة
حين تدرس المسألة دراسة فلسفية, ذلك ان الاعتقاد بوجود الواقع الموضوعي
للعالم ليس ناشئا من براهين التجربة والعلم, فقد عرفنا سابقا ان التجارب لا
يمكن ان تبعث على هذا الاعتقاد وتخرج الانسان من التصورية الى الموضوعية,
بل هو اعتقاد فطري ضروري في الطبيعة الانسانية ولاجل ذلك فهو عام
يشترك فيه الجميع حتى المثاليون المتمردون عليه بلسانهم, فانهم أيضًا يعتقدون
هذا الاعتقاد تماما كما تدل عليه حياتهم العملية. واما المسلمات التي ظهر