فهرس الكتاب
قال لينين:
[إن تلاشي المادة يعني ان الحد الذي وصلت اليه معرفتنا
بالمادة يتلاشى, وان وعينا يتعمق, فثمة خصائص للمادة
كعدم قابليتها للاختراق وعدم الحركة والكتلة .. كانت تبدو
لنا من قبل مطلقة ثابتة أولية وهي تتلاشى الآن, وقد عرفت
بأنها نسبية ملازمة فقط لبعض حالات المادة, ذلك ان
الخاصة الوحيدة للمادة, التي يحدد التسليم بها المادية الفلسفية
انما هي كونها ـ أي المادة ـ حقيقة موضوعية, وانها موجودة
خارج وعينا] (1) .
[إن دعائم المفهوم المادي عن العالم لا يمكن ان يزعزعها
أي تغيير للمفهوم العلمي لخصائص المادة, وليس ذلك لأن
المدرك الفلسفي عن المادة يكون دون علاقة لمدرك علمي
مزعوم, وانما لأن المادة لا يمكن ان تفقد هذه الخاصة
الاساسية من خصائصها وهي كونها ـ أي المادة ـ حقيقة واقعية
موضوعية] (2) .
بهذا اراد لينين ان يزيف المثالية الفيزيائية ويدعم مفهومه المادي.
ويبدو واضحًا من كلامه تجاهله لكل فلسفة واقعية عدا الواقعية القائمة
على أساس مادي, ولأجل ان يحل التناقض بين المفهوم المادي وحقائق العلم والفيزياء شرح مفهوم المادة شرحًا غريبًا, وأعطاه من السعة والشمول ما جعله يعبر عن الواقع الموضوعي المستقل بالمادة, محاولا بذلك ان يقدم المادية كحل فلسفي وحيد لمسألة وجود العالم في مقابل المثالية. ومن الواضح ان المادة اذا
كانت تعبيرًا مساويا للواقع الموضوعي المستقل. وكانت خصيصتها الوحيدة اللازمة لها هي موضوعيتها ووجودها بصورة مستقلة عن وعينا, فالفلسفة المتيافيزيقية الالهية تكون فلسفة مادية تمامًا باعتبار هذا المفهوم الجديد للمادة, ويرتفع التعارض نهائيا بين الفلسفة الميتافيزيقية والفلسفة المادية ومفهومها عن
العالم.
فالفيلسوف الالهي الذي يؤمن بما وراء الطبيعة يقول نفس الكلمة تماما
عن العالم. فالعالم عنده واقع موضوعي مستقل عن وعينا, وليس المبدأ الالهي
الذي تعتقد به الفلسفة الميتافيزقية الا واقعًا موضوعيًا مستقلًا عن وعينا.
والحقيقة ان التلاعب بالالفاظ لا يجدي شيئا, فتوسعة المفهوم المادي الى
حد ينطبق على المفهوم المعارض له وينسجم معه لا يعني الا تخليه عن واقعه الفلسفي الخاص, وعجزه عن الرد على ما يعارضه من مفاهيم.
اضف الى ذلك ان المادية الجدلية لا تسمح للينين ان يعترف بحقيقة
(1) ـ ما هي المادية ص 20 ـ 21 .
(2) ـ المصدر نفسه ص23 .