فهرس الكتاب

الصفحة 4 من 100

نحن لانود أن نعدو حقائق التاريخ، التي أكدت - دائمًا-، أن الحضارات الإنسانية التي ظهرت إلى الآن، قد تفاعلت فيما بينها باستمرار، سواء أكان هذا التفاعل تنافسًا، أو صراعًا، أو تكاملًا.. لكنه كان يضمر نوعًا من الاختلاف، ويحتفظ بشيء من التمايز. وإن كانت الحضارة القوية قد حاولت أن ترفض الاعتراف بهذا الاختلاف للحضارات الضعيفة وحاولت بالتالي أن تغرض عليها التماثل المطلق، والتماهي بها، كأساس لابد منه لتحقيق حلم الحضارة القوية، بما يجلب لأصحابها الشعور بالأمن وبالنشوة. ولم يكن هذا بالأمر السهل، أوالهين، أو الممكن، نتيجة المقاومة التي أبدتها- وكان لابد من أن تبديها - الحضارات المغلوية أو الضعيفة. وعلى هذا فإن ما نشهده اليوم، ليس بدعًا، وإنما الجديد فيه: جبروت وسائل الاتصال، التي جعلت كل إنسان، أينما كان، في المدينة.. في القرية.. في البادية.. في الغابة معنيًا به، ومتأثرًا به، بعد أن كان الحوار في الماضي لايتعدى ساحة المعركة، الثغور، والمدن الكبيرة. وقد سبب هذا الشمول في التأثير كثيرًا من الإرباك للشعوب، وأدى إلى ظهور تيارات متباينة، يقترح كل منها اسلوبًا للتعامل مع هذا الغزو الحضاري، - إن صحت التسمية- وتراوحت هذه الأساليب بين الانكفاء على الذات، والتقوقع على ما أنجزه الأسلاف والاكتفاء به، وبين الالتحاق بالآخر دون قيد أو شرط. وإن كنت أزعم بأن الموقف الصحي والصحيح، هو موقف التفاعل من موقع التميّز والاختلاف والاستقلال، لامن موقع الالتحاق والتماهي. وفي هذا التفاعل يجب أن يتم التمييز بين ما هو مشترك وعام"إنساني"، وبين الخصوصيات الثقافية والحضارية. في الحالة الأولى لا تتغير الحقائق والقوانين بتغير المعتقدات، وتبدل القيم والتراث، وتغير الأبطال والقادة القوميين، أما في الحالة الثانية فقد تكون المتغيرات محدودة الحجم، إلا إنها- مع ذلك .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت