فهرس الكتاب
والكون- برأيه- في ديمومة، وسيال متدفق من الجدة التي لايمكن التنبؤ بها....لأن الأمر يختلف تمامًا عما يحدث في العالم المادي، فالتغيير في العالم المادي المحض إنما يكون بإعادة ترتيب المعطيات بشكل طريف جديد. أنما في دنيا النفس والروح فليس الأمر كذلك.. والعالم ليس خلوًا منها... ففي دنيا الروح والنفس لم يعد الأمر مجرد اختيار إنما هو خلق وإبداع حيث هو تطور"خالق خلقًا مستمرًا لا للواقع فحسب، بل للممكن أيضًا."42""
وبرأي"برغسون"أن الناس الذين تعودوا أن يتصوروا بأنه ما كان لحادث أن يحدث لولا أنه كان يمكن أن يقع وأن يحدث- وقبل أن يصبح واقعًا، لابد أنه كان ممكنًا، سيرفضون كلامه رفضًا قاطعًا وعدم إمكانية التنبؤ. وعنده أن مصدر خطأ الآخرين، أنهم لايقفون عند حد معين وثابت للممكن. فهم ينتقلون من حد أن الممكن هو غير مستحيل التحقيق .. إلى حد إيجابي: وهو أن الممكن يمكن أن يدرك من قبل عقل مؤهل إلى درجة كافية. وأن كل ما حدث وماسيحدث قد وجد من قبل، وبذلك يكون قد سبق وجوده وتحققه العياني في صورة فكرة... ومثل هذا الكلام غير ذي موضوع عند"برغسون"، خاصة حين يتعلق الأمر بالآثار الفنية، فالسمفونية لم تكن ممكنة قبل تأليفها، لافي ذهن صاحبها ولا في أي ذهن آخر... ويسحب رأيه هذا ليطبقه على الكون الذي يشمل حالات من الجدة لايمكن التنبؤ بها.
ويرجع"برغسون"الاعتقاد السائد بأن الأمور إذا لم تتصور قبل حدوثها، فقد كان من الممكن تصورها، وهي بذلك قائمة- منذ الأزل- على حالة الإمكان، في عقل ما،"واقعي أو مفترض"... يرجع ذلك إلى طبيعة عمل العقل.. وإلى اعتقادنا الراسخ بأن الحقيقة أبدية، أي أن الحكم الصادق الآن، لابد أنه كان صادقًا في كل وقت وهكذا نفرض على كل حكم صادق، مفعولًا رجعيًا، وكأن الحكم يمكن أن يسبق وجوده وجود الحدود التي يتألف منها.