فهرس الكتاب

الصفحة 82 من 100

ومقابل"الاستدلال"في الفلسفات الأخرى، يطرح"برغسون""الإدراك المباشر"والذي ندرك بواسطته فعاليتنا الخاصة.. والظروف التي تتم فيها . ويقول: سموا هذا الإدراك ما شئتم، إنه شعورنا بأننا خالقو نياتنا... قدراتنا.. وأفعالنا....وأننا خالقو عاداتنا... وطبعنا... وخالقو أنفسنا تبعًا لذلك...."46"وأننا نخلق"نصنع"حياتنا، ونخلقها خلق فنان إذا أردنا..."47"فنعمل على أن نعجن المادة التي يمدنا بها الماضي والحاضر... وتمدنا بها الوراثة.. والظروف.. فننشئ منها وجهًا أصيلًا.. لايمكن التنبؤ به.

وبناء على ما سبق، فإن"برغسون"يعتقد أن المشكلات الميتافيزيقية الكبرى ، إنما نشأت من سوء طرحها، وأن الكثير منها يتلاشى إن صحح طرحه. ويعود سوء الطرح بزعمه إلى التعبير عما هو خلق، بما هو صنع. فالواقع نمو كلي غير منقسم، ابتكار متدرج، ديمومة، تطور خالق. وإذا كان الجهل بالجدة الجذرية أصل المشكلات الميتافيزيقية التي يساء طرحها ، فإن عادة المضيّ من الفراغ إلى الامتلاء هو أصل المشكلات الزائفة التي لاوجود لها مثل: لماذا كان ثمة وجود؟.. لماذا يوجد شيء؟ ويسخر"برغسون"من القول بوجود العلل.. وعلل العلل... وهكذا نسير بطريق يبدو أنه لانهاية لها، وإذا اتفق ووقفنا، فمن أجل تجنب الدوار، بينما المشكلة مازالت قائمة، ومطروحة بحدة. وبرأيه أننا ما كان لنا أن نطرح مثل هذه المشكلة الزائفة لولا أننا نتصور أن عدمًا سبق الوجود، وأنه كان من الممكن ألاّ يوجد شيء. ويحلل العبارة الأخيرة، ليجد انها مجرد لغو، وكلام لامدلول له- في مجال الخلق على الأقل-"48"

ويلاحظ"برغسون"إن فكرة إمكان الأشياء، تتضمن أكثر مما يتضمنه واقعها لا أقل. ذلك أن الإمكان ليس إلا الواقع نفسه، مضافًا إليه فعل يقوم به الفكر، الذي يرمي صورة الواقع إلى الماضي متى تحقق... ويصبح الأمر ممكنًا الآن بعد تحققه، ولا يكون ممكنًا قبل تحققه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت