فهرس الكتاب

الصفحة 83 من 100

والواقع يخلق نفسه باستمرار، جديدًا.. أصيلًا.. غير متنبأ به... أو غير قابل لأن يتنبأ به. فكلما خلق من الواقع شيء، ظهرت صورته وراءه، في الماضي غير المحدد، فكأن هذا الشيء كان ممكنا في الماضي منذ الأزل. بينما الحقيقة أنه أصبح ممكنا في الماضي لحظة تحققه الآن في الحاضر. والممكن يمضي في كل لحظة ليحل في الماضي من تلقاء نفسه.. فإمكان الشيء الذي سبق واقعه لاوجود له، لأن الممكن سراب الحاضر في الماضي.. ونحن نقع في الوهم حين نظن أن حاضرنا الراهن- الذي سيكون في الغد ماضينا- يتضمن صورة ذلك الغد منذ الآن، رغم أننا نعجز عن إدراك تلك الصورة.

ومع ذلك فإن"برغسون"يقبل القول بالإمكان الذي يسبق الوجود، شرط أن يفهم من هذا الإمكان مجرد كون هذا الشيء غير مستحيل الحدوث. فمسرحية"هاملت " كانت ممكنة الحدوث قبل أن تتحقق، إذا كنا نعني أنه ما من عقبة لايمكن تذليلها كانت تحول دون تحقيقها. ولكنه يستدرك: إننا لانقصد- عادة- مجرد عدم الاستحالة حين نتحدث عن الإمكان، بل نتحدث عن وجود نظري سابق للوجود الواقعي."49"ويأخذ الأثر الفني مثالًا يبرهن من خلاله على تعذر سبق الممكن للواقع ، لأن الأثر الفني أوضح من غيره في هذا المجال.. وهو يعتقد أن أكثر الناس يدركون معنى قوله بأن الفنان يخلق الممكن والواقع معًا وفي آن واحد حين يبدع أثره. وهذا أمر بديهي. ويتساءل مستغربًا: من أين يأتي التردد عن القول نفسه بالنسبة للطبيعة؟! أو ليس العالم أثرًا فنيًا لايقاس بغناه غنى أي أثر فني يبدعه أعظم فنان؟! أما إذا زعم زاعم بأن المستقبل مرسوم هنا"الطبيعة"مقدمًا، وأن الإمكان سابق هنا على الواقع، فإنه سيقع- عندئذ- في تناقض بيّن."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت