فهرس الكتاب
ويقبل التنبؤ في مجال المادة المحض... ولكن العالم ليس مادة صرفًا.. لذلك لايمكن حساب ما سيجري في المستقبل. وهو يتهم الفلسفات القائلة باللاحتمية وبالحرية، متهمًا إياهًا بأنها لم تدرك ما كان يعنيه قولها، حين كانت تقصد بالحرية اختيارًا بين الممكنات- وكأن الإمكان ليس من خلق الحرية نفسها- وبذلك تذهب إلى القول بأسبقية الممكن على الواقع.. وترد الجديد إلى القديم نفسه، وقد ترتبت عناصره ترتيبًا جديدًا... وتضطر- إن عاجلًا أو آجلًا- إلى اعتبار الجديد قابلًا لأن يحسب، ولأن يتنبأ به.. وبذلك تسلم بنظرية الخصم لذلك فهو يدعوها إلى القول معه بأن الواقع هو الذي يجعل نفسه ممكنًا.. وليس الممكن هو الذي سيصبح واقعًا.
والفلسفة- برأيه- لم تسلم بهذا الخلق المستمر، لجدة لايمكن التنبؤ بها، لأن الفلاسفة الأقدمين ينفرون من ذلك، لأنهم- وهم الأفلاطونيون إلى هذا الحد أو ذاك- يعتقدون بأن الوجود قد وجد دفعة واحدة.. كاملًا.. تامًا.. في ذلك العالم الثابت"عالم المثل". وكل تغيّر بعد ذلك فهو نقصٌ وانحدارٌ وخسرٌ. والزمان يفسد، ويبعد عن عالم المثل. فالفرق بينهما هو موجود ظلًا في الزمان، وبين ما كان يجب أن يكون مثالًا في الأبدية، هو فرق نقص.."50"
ويصر"برغسون"على الاكتفاء بعالم الواقع، لأننا سندرك- حينئذ- وجود الزمان إدراكًا مباشرًا... وحسبنا هذا... وإلى أن يبرهن على عدم وجود الزمان، أو على أنه مفسد، فسنكتفي بأن نلاحظ أن هناك انبثاقًا فعليًا لجدة لايتنبأ بها .."51"وهذا ما سيؤدي إلى فوائد متعددة، منها أن الإنسان سيجد شيئًا من المطلق، في عالم الحوادث المتحرك بطبيعته، وأنه سيشعر بمزيد من الفرح ومزيد من القوة، أما المزيد من الفرح، فلأن الواقع الذي يخلق أمام أبصارنا، سيهب لكل منا بعض المتعة التي يهبها الفن، لمن خصّوا بحظ عظيم... وأما المزيد من القوة، فلأننا ننهض سادةً، شركاء سيّدٍ أعظم."52"