فهرس الكتاب
وينتقد"برغسون"النزعة الآلية، التي تزعم بأن كل شيء معطى في اللحظة الحاضرة- الماضي والمستقبل كائنان في الحاضر- وحجته في ذلك أنه لو كان بإمكاننا أن نعرف مقدمًا، أو أن نحسب سلفًا، كل ما يقع في الطبيعة من أحداث، لكان في ذلك قضاء تام على الزمان، ولكان دعاة الآلية لايرون في الديمومة إلا مجرد مظهر لقصور العقل البشري، الذي لايستطيع أن يحيط علمًا بجميع الأشياء في وقت واحد.. بينما الواقع - كما يرى برغسون"أن الديمومة هي تيار لا سبيل إلى مواجهته مطلقًا (53) ولم يكتف برغسون برفض الآلية.. إنما رفض الغائية"الغائية التقليدية"كذلك. فالغائية المطلقة عند"ليبنتز" كما لاحظ"برغسون"قد نسبت للطبيعة مقاصد شبيهة بمقاصد البشر، وافترضت أن جميع الأشياء والموجودات إنما حدثت لتحقق برنامجًا موضوعًا سلفًا. الأمر الذي يعتبره متعارضًا مع مافي الطبيعة من خلق وإبداع وجدة مستمرة. وبذلك يعود الزمان ليصبح ظاهرة تافهة، لاقيمة لها، مادام كل شيء معروفًا سلفًا، ومادام الوجود كتلة حاضرة بأكملها. وبذلك تعود الغائية آلية مقلوبة، فهي تضع النور- الذي تفترض أنه يهدينا- أمامنا لاخلفنا كما كانت تفعل الآلية."
وقد حاول برغسون"أن يتجاوز الآلية والغائية معًا ، لأن كلًا منهما قد جانبت الصواب في فهمها لطبيعة التطور، وتصورتا التنظيم العضوي على نمط الصناعة البشرية، وبذلك جعلتا هدف الطبيعة معروفًا سلفًا، وافترضتا أن المستقبل ماثل منذ الآن في الحاضر."