فهرس الكتاب
ومع ذلك فإن"برغسون"يبحث في الماضي لا..في المستقبل عن علة ما هو كائن. وهو إنما يرفض العلية الآلية، لأنها تقول بأن التطور قد تقرر عن طريق الصدفة الميكانيكية، بينما يرى هو أن الدفع الذي صدرت عنه الموجودات أقرب إلى الفعل الإرادي منه إلى الدفع الميكانيكي.. والتطور تحقق عن طريق جهد إبداعي، يعبر عن وحدة في الاتجاه، ويشبه - إلى حد ما- حركة الوعي والشعور. وليست"الاندفاعة الحيوية... الانبثاق الحيوي"شيئًا آخر سوى تلك القوة المشتركة التي تشيع في سائر الأشياء، فتجعل من تطور الأنواع المختلفة متشابهًا- من بعض الوجوه_. لعلنا بدأنا نفهم رفض"برغسون"للقبول بإمكانية التنبؤ بتطور الطبيعة، ومناداته باسبقية الواقع الممكن. ذلك لأنه يرى أن التطور لايسير بشكل مستقيم، مطرد، منتظم. التطور عنده خلق دائب لأشكال جديدة، وصورٍ متباينةٍ من الأنواع والأفراد، دون أن يكون لهذا الخلق خط سير وحيد الاتجاه، يسير عليه دائمًا، رغم أنه وليد انبثاقه"وثبة"حيوية واحدة بذاتها فثمة أنواع تتوقف عن التطور وأخرى تنتكس إلى الوراء. مما يدل على أن هذا التطور لايخلو- في كثير من الحالات من مظاهر ركود أو جمود أو انحراف. الأمر الذي يحول ولا ريب دون إمكانية التنبؤ التي تفترض الاطراد والانتظام."54".
مناقشة آراء برغسون في الممكن
تهتم فلسفة"برغسون"بالزمان كثيرًا- وليس الزمان المحض، باعتباره بعدًا رابعًا للمكان. وهذا الزمان الواقعي"الحي"، زماننا، هو الذي يفسر الديمومة والجدة المبدعة والتطور الخالق. وبذلك لم يعد الزمان ظاهرة لاشأن لها، كما كان الأمر عند الفلسفتين الآلية والغائية على حد سواء، طالما أن كل شيء- عندهما- معروف سلفًا، وما دام الوجود كما تصورتاه كتلة واحدة، حاضرة بأكملها، مع فارق بينهما- سبق وأشرنا إليه-