فهرس الكتاب
وإذا كنا نوافق"برغسون"على رأيه هذا، حين يتعلق الأمر بما يجري في الطبيعة"الكون"، تأسيسًا على ماسبق وذكرناه من أن ما يجري في الكون هو تحقيق لأفضل الممكنات، وأفضل الممكنات لابد أن يكون ممكنًا وحيدًا بين ممكنات كثيرة أخس منه... ولكننا نقول بما لم يقله"برغسون"، وبما تأفف منه دائمًا، حول وجود عالم حكيم، وازن بين الممكنات واختار من ثمة أفضلها. ولا بد أنه حين اختار الممكن الأفضل"الوحيد"كان يعلم ما يترتب على اختياره من نتائج، مهما بعدت، ويقدرها تقدير العزيز العليم. وهذا القول لايحول دون القول بالتطور- كما قد يتبادر إلى الذهن للوهلة الأولى- بسبب تعودنا على الاعتقاد بوجود علاقة أساسية بين التطور والزمان الذي يحدث فيه هذا التطور. وننسى أن هذا الزمان، زماننا نحن، الذي يعد حركات عالمنا...
أما بالنسبة لذلك"العالم الحكيم"، فالزمان غير موجود بالنسبة إليه"أقصد زماننا بالطبع"، ذلك لأنه خارج الزمان، وعلى هذا فهو يعلم ما يجري، وماسوف يجري ، على اساس علمه بالأسباب الأولى، ومايترتب عليها من نتائج، هي بدورها أسباب لنتائج أخرى... وهكذا.. وإلا لما كان هناك من معنى لاختياره. مع ملاحظة أن هذا لايشكل برنامجًا لما سوف يجري، وإنما علمًا بما سوف يجري... وفرق كبير بين الاعتبارين، وتعد المسؤولية"الأمانة"أهم ما يترتب على هذا الفرق. وعلم هذا"العالم الحكيم"بما سيجري ضروري من أجل القول بأن ما يجري في هذا العالم هو أفضل ما يمكن. وعقله- إن صح التعبير- هو ذلك الذهن المؤهل تأهيلًا خاصًا، القادر على التنبؤ، والذي تحدث عنه"برغسون"مستهجنًا؟؟!.