فهرس الكتاب
أما إذا تجاوزنا الطبيعة، وما يجري فيها، إلى أفعال الإنسان وإنجازاته"صنعه"، فإننا سنجد صعوبة كبيرة في رفض وجود ممكنات كثيرة، تعرض نفسها على الفرد، قبل القيام بأي عمل من أعماله. ليقوم بعد ذلك باختيار واحد منها، مخرجًا إياه من عالم الإمكان إلى عالم الحدوث.. لأن رفض ذلك.. يسلب الإنسان الحرية- بابسط وأدنى معانيها- أعني حرية الاختيار، أي القدرة على فعل أحد المتقابلين على السواء"كما عرفها ابن رشد". وإذا سلبنا من الإنسان حريته، فقد أعفيناه من كل مسؤولية.
وعلى هذا فإن قول"برغسون"بأن الممكن يلحق الواقع ولا يسبقه، صعب القبول في دنيا الإنسان.. وأخشى أن يكون قد قال به تمشيًا مع منطق مذهبه، مضحيًا في سبيل ذلك بشهادة وجدانه وشعوره. ويكون قد وقع بما عابه هو نفسه على الفلاسفة، حين يضطرون تحت ضغط منطق مذهبهم للتضحية بشهادة وجدانهم معتبرين تلك الشهادة وهمًا لايعتد به. مع ان شعورنا بوجود الامكانات عند كل منعطف يقابلنا على درب الحياة الطويل شعور حقيقي، له ما يبرره. فأنا أكتب موضوعًا عن الممكن.. و"برغسون"سيقول لي بعد أن أنتهي من إعداد الموضوع بأن كتابتك للموضوع كانت ممكنة، بمعنى انه لم يكن ثمة عقبة تحول دون كتابته لايمكن تذليلها.