فهرس الكتاب

الصفحة 92 من 100

إن كلام"برغسون"صحيح، ولكنه لايقول الحقيقة كلها.. فهو لايقول كيف أن ذلك يمثل إمكانية واحدة من عدة إمكانات- لم تتحقق بطبيعة الحال- كانت تعرض نفسها علي، قبل أن أنحاز إلى هذه الإمكانية بالذات دون غيرها. فهو لايشير إلى بقية الامكانات- التي ظلت كذلك- إلا على أنها أوهام مضللة.. لأنه لايفهم الممكن إلا على اعتباره ظلًا للحاضر على الماضي. لذلك فهو لا يهتم إلا بالممكن المتحقق"هذا إن اعتبرناه ممكنا".. مع أن الممكن _ بحسب حده _ قد يتحقق وقد لا يتحقق ، وإلا انقلب واجبا .. ذلك أن الممكنات لا يمكن أن تتحقق معا .."وإن إدخال هذا الممكن في مخطط كوني ، من شأنه أن يزيح ممكنا آخر عن هذا المخطط"وأجد من الصعوبة بمكان، أن أجاري"برغسون"، وأعتبر أن ما أقوم به هو الممكن الوحيد، وأنه لم يكن بإمكاني أن أفعل أي شيء آخر سوى كتابة هذا الموضوع، وأن شعوري بأن ثمة ممكنات أخرى كانت تعرض نفسها علي، ليست إلا وهما يساورني الآن بعد أن أنجزت الموضوع .. ذلك أن _ شهادة وجداني وإدراكي المباشر لهذا الوجدان _ يكذبان ادعاء"برغسون".. فنحن .. في مجال العمل الإنساني، لا نستطيع أن نقبل بأن يكون الواقع هو الذي ينعكس على الماضي بصورة ممكن، وما يترتب على ذلك من إنكار للإمكانات التي لم تتحقق.. وما اعتبار الممكن لاحقا للواقع إلا وضع للحصان وراء العربة . فالواقع والممكن متزامنان حين يتعلق الأمر بالخلق والإبداع، لأن هذا من طبيعة حد الخلق والإبداع _ سواء أكان المقصود بذلك خلق العالم وإبداعه، حيث أن الخالق يخلق بالإرادة، وهو لا يفكر بشيء إلا وهذا الشيء يتكون ويخلق بالتفكير نفسه"بعبارات كانت"أو كان المقصود إبداع الإنسان وخلقه _ في مجال الفنون والآداب خاصة _ شرط أن تبقى في مجال الإبداع، أما في مجال الصنع فإنه يخضع لشروط وتقنيات ومقدمات، لا بد من توفرها وفهمها والإلمام بها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت